في مثل هذه الأيام تمر في هدوء ذكرى وفاة الأستاذ الكبير أنور الجندي (28 يناير 2002م)؛ ذلك الكاتب الإسلامي المرموق الذي عاش حياته مدافعًا عن الإسلام ومبادئه وشريعته وحضارته وأعلامه، وخاض من أجل ذلك حربًا ضروسًا ضد أعدائه ومناوئيه من الملحدين والمستعمرين والمبشرين والمستشرقين والمستغربين، وكشف عوارهم ودحض أكاذيبهم في العديد من الكتب والمقالات والأبحاث.
لقد عاش هذا الكاتب الإسلامي الفذ حياته مشاغبًا بقلمه وفكره أساطين الفكر والأدب في عصره أمثال طه حسين والعقاد وسلامة موسى ولويس عوض ولطفي السيد.
كما كان في الوقت نفسه جندي فكرة وعقيدة في دعوة الإخوان المسلمين، نهل من فكر الإمام حسن البنا، وانطلق في عالم الكتابة والتأليف من خلال تعليماته وتوجيهاته؛ حيث يذكر الأستاذ أنور الجندي أن أول من شجَّعه على الكتابة المنتظمة الإمام الشهيد حسن البنا؛ وذلك عندما كان الأستاذ أنور معه في رحلة الحج في الأربعينيات، ثم طلب منه الأستاذ البنا أن يكتب خاطرة عن الحج، فكتب الأستاذ أنور خاطرة يقول عنها: أعجب بها البنا أيما إعجاب، ثم قال لي: لماذا لا تستمر في الكتابة إن لك قلمًا رشيقًا، ومن الممكن أن يكون من الأقلام القوية إذا مرنته على الكتابة واستمر عليها!.
ولقد أثَّر الإمام البنا في الأستاذ الجندي تأثيرًا كبيرًا، حتى إنه من شدة تأثره به وضع صورة كبيرة للإمام البنا في غرفة مكتبه، ولما سُئل عن ذلك قال: أحب أن أرى هذا الرجل العظيم دومًا، فرؤيته تمدني بهمة شديدة، كما أن حبه للبنا بلغ مبلغًا شديدًا؛ لذا حرص الأستاذ أنور الجندي على أن يسكن قريبًا من المركز العام، ليستمتع بسماعه في حديث الثلاثاء، ويكون على مقربةٍ من أستاذه حسن البنا، وبلغ تأثره بالإمام البنا أن كتب عنه وعن دعوته العديد من الكتب منها: "حسن البنا الداعية المجدد والإمام الشهيد"، "الدعوة الإسلامية في مواجهة التحديات"، "الإخوان المسلمون في ميزان الحق".
وهذه الكلمات سجَّلها في صحيفة الإخوان المسلمين عام 1948م بيَّن فيها أول معرفته بدعوة الإخوان المسلمين، وكيف التقى بالمرشد العام لأول مرة، وكيف أثَّرت هذه المقابلة في حياته، يقول الأستاذ أنور الجندي رحمه الله: أما كيف عرفت دعوة الإخوان، وكيف التقيت بفضيلة الأستاذ المرشد فقد كان ذلك في بلدة القوصية في أول محرم 1362، وكان الحق تبارك وتعالى أراد لي أن أفتتح عامًا طيبًا، بل عمرًا طيبًا بهذا اللقاء الحبيب.
كان ذلك على أثر دعوة وُجهت إليَّ من الإخوان هناك، لم تسبقها فكرة ما عن الإخوان إلا بعض عبارات يسيرة سمعتها من بعض الناس في ديروط على أثر مرور فضيلته بها ذات مرة.
مكثنا في الحفل ننتظر قدوم فضيلة المرشد، وتحرك في نفسي شيء غريب!. ما كل هذا الاهتمام والتطلع إلى الضيف القادم؟ وقد كنت إذ ذاك منصرفًا إلى بعض الدراسات الأدبية والاجتماعية الحديثة يتصل بعضها بالحضارة الغربية وبالأفكار الجديدة التي بثَّها حولنا بعض أذناب الغاصب ممن تتلمذوا على بعض المستشرقين وأُغرموا بمنهجهم الأعوج الآثم.
وكان قد طال بي المطاف حول هذه المعاني سنوات عدة، ثم التوى بي الطريق إلى القصص الماجن المكشوف فأغرمتُ به ثم أخذتُ أتابع في عزلتي بالريف بعض صور الحياة التي تنشرها الصحف عن رواد الصالونات والمسارح والمراقص ممن يدَّعون أنهم قادة الفكر وزعماء الجيل ومربي الأمة.. فيأخذني العجب من هؤلاء الذين يصبحوننا بالحديث عن الأزمات السياسية والمشاكل الاجتماعية وعليهم مسوح الكهان والدعاة، ويماسوننا في هذه البيئات الملوثة الآثمة.
وأسأل نفسي كيف يمكن أن يستقيم أمر في هذا الوطن المنكوب؟.. وكنت قد اتصلت قبلاً (بالطرق الصوفية) فلم تشف غليل نفسي المتطلعة إلى العلاج الواضح للفرد والجماعة معًا، وأخذتُ عليها روح الانكماش والعزلة والقصور في الميادين العملية!، واتصلت بالأحزاب فترةً ثم انصرفت عنها كارهًا ناقمًا مما رأيت من اتهامات وشتائم وسباب وخصومات لا شيء فيها لمصر ولا لحريتها، وفيها كل شيء للمطامع الشخصية.
وكنت أسأل عن المرشد والموجه لنفسي أولاً فقد كنت بين هذه المعالم الصامتة في الريف لا أعرف المدنية ولا الحياة إلا عن طريق الكُتَّاب والصحيفة، ولا أدري أيها أقرأ وأيها أدع، فقد التبست عليَّ الوجوه والألوان والأنواع.. الكتب القديمة تقبض النفوس وتصور الإسلام بصورةٍ جامدةٍ قاسية، تقليد ولا وجه فيها للتجديد أو الاجتهاد! والكتب الحديثة تفيض بصور الراقصات وأحاديث الغانيات وقصص الإثم ومآسي الحزبية وفصول التهجم على الإسلام وتاريخه وإذاعة مبادئ الحضارة المتبرجة والثقافة الملحدة!.
وكنت أبحث عن (القائد) والزعيم لهذه الأمة يردها عن هذا الطريق الذي يكاد يجرفها إلى الهاوية، وأسأل بين هذا وذاك عن (المنهاج) وأستعلم عن (الهدف) فلا أجد من يدلني.. فكنت تلميذًا يترقب أستاذه وجنديًّا يبحث عن قائده، ثم هلت تباشير العناية الربانية فاستيقظ الفكر وبدأ يغزو ميدانًا جديدًا كريمًا هو ميدان (التاريخ الإسلامي) فسرتُ فيه شوطًا طويلاً، ولكن على غير هدى من غايةٍ محددة، أو وجهة مقصودة.. بهذه النفسية الملتوية المضطربة، المملوءة بالعقد والخيالات والتخرصات.
كنت أجلس في ساحة دار الإخوان بالقوصية أنتظر الأستاذ المرشد!.. وأنا لا أدري أنها الليلة الفاصلة في تاريخ حياتي.
بين ماضٍ مظلم كله تخبط واضطراب، وبين مستقبل أرجو أن يكون مشرقًا كله إيمان وفناء في الحق ودعوة الحق، بين هذا كله، وإذا به يهل، وإذا بروحي تقفز من بين جنبي، فقد خيل إليَّ أنني رأيت هذا الوجه من قبل، وكأنه كان بيني وبينه حديث طويل، وأن لي معه أسرارًا كثيرةً، ولا أدري أكان ذلك يقظةً أم منامًا حقًّا أم خيالاً، وكأني أعرفه معرفةً كاملة، وقد استقرَّ في نفسي استقرارًا عجيبًا منذ اللحظة الأولى، وطغى على مخلفات عشر سنين من الرؤى والخيالات والمذاهب والأفكار وكأنه مسحها فأصبح القلب خاليًا منها كالصفحة البيضاء.
وبدأ يكتب بيده سطرًا جديدًا استقر وجه (حسن البنا) في نفسي استقرارًا عجيبًا منذ اللحظة الأولى، فسددت الطرف إليه أرقبه وألتهمه، وظللت على ذلك فترة طويلة لا أحول طرفي عنه، والتفكير يذهب بي كل مذهب!.. جاء دوره على منصة الخطابة فأخذت أستمع إليه، ما هذا؟ رجل هادئ يتكلم بلغة فصيحة بليغة سهلة الوصول إلى كل القلوب ترضي المثقفين، ولا تغلو عن أفهام المتوسطين والعامة.. لا يرتفع صوته ولا يضرب بيده ولكنه مع ذلك يأخذ بالألباب ويملأ النفوس تأثيرًا، ويثير في أعماقها إحساسًا دفاقًا بالأمل والحياة، ويفتح أمام القلوب باب السعادة والرجاء والاتصال بالله.
نفذ إلى قلوبنا بيانه فتأثرنا حتى ترنحنا، ولم يكن ذلك بألفاظ منغمة ولا بعبارات مسجوعة ولا بصوت ضخم، ولا بحركات تمثيلية كما هو عهدنا في بعض المتزعمين وإنما كان التأثير بالمعاني، بالأغراض، بالأهداف، بالآراء، بالروح التي تتصل بالأرواح، بإعداد النفوس وحملها على الإصغاء بالبساطة، بالسهولة، بالإيمان، بالحب، بالشعور بمدى ما يحمل الرجل في قلبه من نور، بمدى حرارة الجذوة المتقدة في أعماقه، وصدق إيمانه بما يقول وبمدى اتصاله بالله وعمق هذه الصلة، وبمدى الرغبة في الكفاح والقوة على الجلاد، وبمدى الشعور والرجاء والأمل والاطمئنان وبمدى الاستعداد والتحفز، وصفق قلبي في داخلي وهو يصيح: رباه، لقد وجدنا الأستاذ وعرفنا الهدف، إن المصباح الذي يحمله هذا الرجل قد كشف لنا عن الطريق، فما نبالي وعورته ولا طوله، وإنما نعرف أن الزمن كفيل بالوصول إليه، وإن قلوبنا وأرواحنا رخيصة في سبيله.
هكذا عرفت قائد الدعوة، وهكذا التقيت به لأول مرة وبدعوته وبه صححت إسلامي.
-------------------
* جريدة الإخوان المسلمين اليومية العدد 214 السنة السادسة 16 سبتمبر 1948م