بعيدًا عن كل ما يمكن أن يقال حين تفقد عزيزًا أو حين تودّع غاليًا والألم يعتصر قلبك، حين يغلبك شوق جارف إليه وأنت تعلم يقينًا أن اللقاء في الدنيا قد انقطع وعند الله الملتقى.. كثيرون ملأوا الدنيا ضجيجًا ونعيقًا، ورحلوا منها بلا خبر.. ما بكت عليهم سماء، ولا افتقدتهم أرض، وكثيرون عملوا في صمت.. آثروا إذا غابوا ألا يفتقدوا، وإذا حضروا ألا يعرفوا، لا يتصدرون المجالس، ولا يُسْمَع لهم دويّ، ولعلهم من ذلك الصنف من الناس الذين جاء في حقهم فيما ورد عن أنس قال: لقي أبي بن كعب البراء بن مالك فقال: يا أخي ما تشتهي؟ قال: سويقًا وتمرًا فجاء فأكل حتى شبع، فذكر البراء بن مالك ذلك لرسول الله فقال: اعلم يا براء أن المرء إذا فعل ذلك بأخيه لوجه الله لا يريد بذلك جزاءً ولا شكورًا، بعث الله إلى منزله عشرة من الملائكة يقدّسون الله ويهللونه ويكبرونه ويستغفرون له حولاً، فإذا كان الحول كتب له مثل عبادة أولئك الملائكة، وحق على الله أن يطعمهم من طيبات الجنة في جنة الخلد وملك لا يبيد.

 

صنف قال فيه النبي ما روى أنس بن مالك أن رسول الله قال: "كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ" (سنن الترمذي 5/692).

 

له مع الله حال، ولعل فقيد الدعوة من ذلك الصنف، الخفي التقي النقي، ولقد شاءت الأقدار أن يقضي عمره غريبًا عن وطنه الذي أحبه وعمه الأستاذ أحمد حسانين، رجل المهام في النظام الخاص وأحد أعلام الدعوة بقليوب، ولم يكن يذكر ذلك لإخوانه.

 

كان الأستاذ محمد حلمي حسانين قمة في التواضع، وآية في السماحة، أقبل خريف الجسد وتألق ربيع روحه فجوار الله ذلك خير، لقد كانت ابتسامته رسوله إلى قلوب إخوانه، عرفها عنه الصغير والكبير، لا يلقاك إلا مبتسمًا، يملك حبًّا لو وزع على أهل الأرض لكفاهم، يتواضع لإخوانه ويلين لهم الجانب، ذو حظ من صلاة، لا تفارق ابتسامته الجميلة من يراه، كان في حاجة إخوانه، ذو صبر وحلم، وأناة، من لا يعرفه لا يجهل ابتسامته، كان كالنسيم بين إخوانه، إذا مر بساحتهم عمتهم السكينة والهدوء..

 

أجسادنا يا هذه الصحاري وربعنا الخالي.. هل بعد الموت من مستعتب؟!

إن النجوم لا تعرف النوم وكذلك كان، هاجمه المرض دون سابق إنذار ولم يطل مرضه، هاتفته دون أن أعرف فسألني الدعاء، ثم سألني عن حالي وهو يعلم كثرة أسفاري فقال لي انتبه إلى حالك، سألت عنه في يوم موته كثيرًا، ثم جاءني خبر وفاته فبكاه قلبي قبل عيني، وتلعثم لساني في نعيه، وانفرط عقد الحزن عليه، ويبقى عزاؤنا دعوات بظهر الغيب للذين عطَّروا حياتنا بجميل أخلاقهم، وربونا بحسن طباعهم، رحلت أجسادهم وبقيت أرواحهم تحلق في سمائنا.

 

زار هرم بن حيان أويس القرني فقال هرم: يا أويس.. صِلْنَا بالزِّيارة واللقاء، فقال له أويس: قد وصلتك بما هو أنفع لك منها، وهو عن ظهر الغيب الدعاء؛ لأن الزيارة واللقاء يعرض فيهما التزين والرياء.

 

لقد تركوا وراءهم ما قدموه في حياتهم، وحق على الأجيال التي لم تعرفه بفعل الغربة التي اكتوينا بنارها جميعًا أن يعرفوا أقدار الرجال ليحذوا حذوهم، لقد كان عزاؤه مؤثرًا في قلوب إخوانه الذين اعتصر الحزن قلوبهم، تزاحم الكل في عزائه، وتبارى في الدعاء بصدق، وحسبنا شهادة الصالحين بصلاحه.. رحم الله البشوش وأسكنه فسيح جناته وألحقنا به على خير حال.