تتعدد المناهج وتكثر الدراسات التربوية في مجال الأسرة ويبقى على رأس كل ذلك المنهج العظيم الراقي والدستور القويم الرائع، القرآن الكريم، الذي يمثل الكتالوج المثالي والبناء الصحيح الذي لا ينتابه العوج أبدًا، أرقى منهج تربوي على وجه الأرض، (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)) (البقرة)، لذا سنبدأ معًا بإذن الله تعالى جولاتنا عن التربية في رحاب القرآن الكريم وأولها (الأب):

أولاً: قيمة الأب: الأبوة والبنوة يمين من أيمان الله تعالى:

بقدر ومقدار وقيمة الأبوة والبنوة أقسم الله تعالى بهما: (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)) (البلد)، وهذا القسم يوضح القيمة والقدر والمقدار فأن تكون أبًا ليس شيئًا بسيطًا ولا هينًا، فاقدر للأبوة قدرها وكن على مستوى المكانة التي وضعك الله فيها.

 

ثانيًا: الإحسان إلى الوالدين ميثاق من مواثيق الله تعالى:

برنامج التعامل الذي ارتضاه الله تعالى للآباء هو الإحسان وهو أرقى درجات التعامل بين البشر، وجعل هذا الإحسان ميثاقًا بين كل إنسان وبين الله سبحانه وتعالى يحاسبه على الوفاء به.

 

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)) (البقرة).

 

ثالثًا: مكانة الوالدين بعد مكانة عبادة الله تعالى:

ترتيب العلاقات وتوضيح المكانة يمثل أولوية في سلوك الإنسان، ووضوح رؤية في تصوراته الذهنية التي يبني عليها تصرفاته، ومكانة الوالدين في سلم العلاقات أكدها الله تعالى في عدة مواضع في كتابه العزيز:

1- (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)) (النساء).

 

2- (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)) (الأنعام).

 

3- (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)) (الإسراء).

 

رابعًا: الإحسان إلى الوالدين وصية من الله تعالى (الوالدين في مقام استحقاق الشكر):

الله تعالى العلي العظيم يوصي- والوصية تكون للأهمية والتأكيد- والوصية هنا ليست فقط بالحسن والإحسان بل بالشكر والعرفان للوالدين وهذا مقام كبير (أحسن واشكر لوالديك) وهذا يتضح من خلال الآيات الآتية:

1- (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)) (العنكبوت).

 

2-  (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)) (لقمان).

 

3- (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (15)) (الأحقاف).

 

خامسًا: الله تعالى يعلمنا شكر نعمه سبحانه على الآباء والأمهات وليس على الذات فقط:

وهذا امتداد لشكر نعمة الله تعالى وإحساس بقيمة الوالدين وفضلهم وأن نعم الله تعالى عليهم فائدة لنا وللأجيال اللاحقة لذا وجب شكرها، وهذا يتضح من الآيات الآتية:

1- (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (110)) (المائدة).

 

2- (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (15)) (الأحقاف).

 

3- (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)) (يوسف)، وهنا يوضح الأب لابنه نعمة الله على الأجداد ليدركها ويشكر ربه عليها.

 

سادسًا: غضب الله تعالى ونقمته بالآباء قد يؤثر على الأبناء وهذا يتضح من الآتي:

1- متعة الآباء قد تكون سببًا في إضلال الأبناء:

(قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)) (الفرقان).

 

2- عدم إنذار الآباء قد يمتد للأبناء:

(لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) (يس)، وهذا يؤكد أهمية شكر الأبناء لنعم الله تعالى على الآباء.

 

سابعًا: لمكانة الأب الكبير في النفوس يستشفع بمقامه:

(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ (78)) (يوسف).

 

ثامنًا: الأبوة مهمة أساسية أصيلة لا تُدعى ولا تنتحل ولا يصح التنازل عنها لأحد مهما علا مقامه:

فلا يصح بحال من الأحوال تجاوز الأب أو تخطيه أو إلغاء أبوته ومقامه، لذا منع الإسلام التبني حتى لو كان المتبني بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا توضيح لمقام الأبوة ومكانتها ويتضح هذا من آيات سورة الأحزاب:

1- (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)) (الأحزاب).

 

2- (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)) (الأحزاب).

 

 

د. رشاد لاشين

تاسعًا: قوة تأثير الآباء على الأبناء:

للآباء أثر كبير وعظيم على أبنائهم، فهم القدوة والنبراس الذين يتلقون منهم القيم والسلوكيات منذ نعومة أظفارهم، وهم أصحاب الفضل وتربطهم بالأبناء عاطفة قوية، لذا لهم تأثير كبير في توجيه سلوك الأبناء وهذه مسئولية كبيرة يجب أن يعيها كل أب حتى يورث أبنائه الصلاح والإيمان والتقوى.

1- لشدة ما يذكر الأبناء آباءهم يدعو الله تعالى الأبناء أن يذكروا ربهم كما يذكرون آباءهم أو أشد ذكرًا:

(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200)) (البقرة).

 

2- لشدة تأثر الأبناء بآبائهم فقد يتركوا الحق ويتبعون الآباء:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (104)) (المائدة).

 

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (170)) (البقرة).

 

3- تبرير الإنسان السلوك بسبب اقتراف الآباء له:

(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28)) (الأعراف).

 

عاشرًا: الأبوة في مكانة الرفعة والعلو والتكريم والأبناء في مكان الانخفاض والتذلل من أجل الرحمة بهم:

وهذا يتضح في سورة الإسراء:

(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)) (الإسراء).

 

هيا نقدر الأبوة قدرها ونقوم باستحقاقاتها وواجباتها كما يريدها الله تعالى ونعلم أبناءنا والأجيال حقوق الأبوة ومكانتها حتى نحسن صناعة أمتنا من خلال بناء العلاقات القوية المتينة الراقية التي رسمها الله تعالى لخير أمة أخرجت للناس.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.