لمعرفة خلفيات المشهد وصولاً لاتخاذ موقف منها ينبغي علينا العودة إلى السنوات الثلاثين الماضية التي تكشف بدورها أن فكرة النشيد الإسلامي تطورت بصورة كبيرة منذ بداية الصحوة الإسلامية في السبعينيات، وكذلك صورة الفرح الإسلامي والحفلة الإسلامية بصفة عامة.

 

فقد كانت الأخوات في الأربعينيات يدربن البنات الصغيرات (حتى سن العاشرة) لإلقاء الأناشيد الإسلامية في الأفراح إلى جانب الأغاني غير الإسلامية الخاصة بالأفراح؛ حيث كانت الأفراح تقام في البيوت، الرجال في ناحية والنساء في ناحية أخرى من البيت، وفي جمعية أنصار الحج التي كانت ترأسها الحاجة زينب الغزالي كن يقمن احتفالية للحاجات قبل سفرهن وأخرى بعد عودتهن، وتتضمن الاحتفالية توعية الحاجات بمناسك الحج، والحكمة من تشريعه، والدروس والعبر المستفادة من رحلة الحج، والأناشيد الإسلامية و"الإسكتشات" التي ترسخ معاني إيمانية مختلفة، والتي قامت الأخوات أيضًا بتدريب البنات الصغيرات على أدائها.

 

ومن "الإسكتشات" التي كانت البنات تمثلنها للمدعوات "إسكتش" تدور أحداثه بين رجل صالح وإبليس الذي يخطط ليضله فيفشل:

يدق جرس المنبه فيقول الرجل الصالح:

صحيتني بأجراسـك

ده الفجر قام يأذن

ده أنا شاكر إحسانك

والشكر كثير جدًا

يا مصحي النعسان

لعبادة الرحمن

سبحانك سبحانك

اشملني بغفرانك

فيقول إبليس محاولاً صرفه عن صلاة الفجر:

أنا خايف تستهوي

من المية تموت فيها

يا أخي قوم اعمل قهوة

وصــلاتك بقـيـهــا

لو تخرج عرقان

راح تصبح عيان

يا أخي نام في الدفية

واتوضى الصبحية

طول عمرك بتصلي

وتسبـــح وتصــوم

طول عمرك مشغول

بالحــــي القــيوم

الجبــــة رقعتهـــا

من جوعك هتبح

وعندما يعجز عن صرفه عن الصلاة يحاول غوايته بطريق آخر فيقول:

الست اللي قصادك

بتشاغلك بصلها

من تقلك وعنادك

ياخينا هاتخسرها

ياخي قايض ع الغولة

بالخفة المضمونة

فيقول الرجل الصالح:

الست اللي معايا

أخلاقها بتعجبني

لا الجارة بميت عين

ولا بأربع رجلين

لو غيرها تكون آية

في الحسن هتتعبني

وفي النهاية يسدل الستار ويفر إبليس قائلاً:

أبلستي ما تنفعشي

عالمؤمن ما تخلشي

غيرك مش لايق

عالدين والقرآن

وتوقفت تلك الأنشطة مع أزمة الإخوان في عهد عبد الناصر، ومع بداية الصحوة في بداية السبعينيات بدأت تظهر صورة الفرح الإسلامي الذي يتم الفصل فيه بين النساء والرجال في المجلس، وكانت الأخوات يكتفين بإلقاء الشعر أو الزجل إلى جانب مسابقة وكلمة وعظ تتناسب مع روح الفرح، وتلقى قبولاً واستجابة من المدعوات في أفراحهن الخاصة، وفي نطاق ضيق يكاد يقتصر على أفراح الرموز الدعوية في التيار الإسلامي في ذلك الوقت.

 

لكن الأمر تطور ليشهد اتساعًا مشهودًا عندما بدأ ت طالبات الجامعات منذ منتصف السبعينيات ينشدن كلمات إسلامية على رتم تصفيقهن الهادئ لإدخال السرور على قلب صديقتهن العروس وبنية الدعوة للمدعوات.

 

ظهور الفرق وتطورها:

ثم فكرت الأخوات في تنظيم مجموعة تضم حوالي 15 أختًا، من باب النظام وحسن المظهر والأداء، يتدربن قبل الفرح بأسبوعين على الأقل، ساعتين يوميًّا لحفظ الأناشيد و"الإسكتشات" الهادفة؛ لإحياء أفراح صديقتهن من الأخوات، ودعوة للمدعوات بدون أجر، وكن يتفقن على توحيد لون الخمار و"الجيب" أو العباءة التي يرتدينها، وينشدن على دقات الدفوف بدون ميكروفون، ويتمايلن في دائرة حول العروس حتى يجنبن المدعوات الرقص البلدي الذي كن يرونه حرامًا، ويعتبرنه منافيًا للحياء حتى بين النساء، إلى جانب الزفة الإسلامية للعروس عند قدومها وانصرافها.

 

وأمام إعجاب الحاضرات بتلك الصورة للفرح الإسلامي، وتلك الروح الجميلة للأخوات، كانت الطلبات تنهال عليهن من أقارب العروس ومعارفها لإحياء أفراحهن بتلك الصورة، فخرجت الأخوات بفكرة الفرح الإسلامي من نطاق أفراحهن إلى إحياء أفراح أخرى، وزاد الطلب عليهن، فكوّنّ أول فرقة بأجر تابعة لجامعة القاهرة في أوائل التسعينيات، وكن ينتقلن لإحياء الأفراح في مناطق القاهرة المختلفة.

 

وأصبحنا نرى صورة طيبة ومظهرًا راقيًّا للفرح الإسلامي غير المختلط، ونسعد جدًّا لأن العروس استطاعت أن تجعل فرحها إسلاميًّا تحييه مجموعة من الفتيات الملتزمات، ينشدن على دقات الدفوف كلمات إسلامية راقية، أو يقدمن فقرات تترك أثرًا طيبًا في نفوس الحاضرات، وقد رأيت بنفسي بعض الفتيات بعد الانصراف من الفرح الإسلامي يرتدين الحجاب، والبعض الآخر يزددن التزامًا ويستبدلن الحجاب الموضة بحجاب مطابق للمواصفات الشرعية، وقد يقتنعن بفكرة الفرح الإسلامي؛ ما يجعلهن يطبقن هذه الصورة في أفراحهن ومناسباتهن المختلفة.

 

فقد لاقت هذه الصورة للفرح الإسلامي قبولاً لدى الملتزمات والبعض من غير الملتزمات، وكان للكلمات والفقرات الإسلامية أثرًا طيبًا في نفوس البنات والنساء، ووجدن فيها بديلاً إسلاميًّا طيبًا وراقيًا للأغاني غير الإسلامية؛ حتى إن البعض منهن كانت أسرهن أو أسرة العريس ترفض إحياء الفرح إسلاميًّا، فيأتين بالفرقة الإسلامية ليلة الحنة في بيوتهن حتى لا يحرمن أنفسهن من تلك الصورة للفرح الإسلامي.

 

وزاد انتشار فرق البنات الإسلامية في الأحياء المختلفة، كل مجموعة من الأخوات يكوّنّ فرقة، وبدأت تخرج عن دائرة البيوت والمساجد وتنتقل لإحياء الأفراح في الفنادق و"الأوتلات" والأندية، وبدأت بعض الفرق تحترف الغناء بأجر؛ حتى أصبحت ظاهرة في منتصف التسعينيات.

 

ثم ظهرت أول فرقة إسلامية للبنات تستعمل الآلات الموسيقية "كالأورج"، ولعضواتها زي موحد، ويقدمن الاستعراضات، وهي فرقة سندس، التي توسعت في نشاطها، فإلي جانب حفلات الأفراح تقيم حفلات الحجاب والنجاح والخطوبة والحنة والعقيقة للمولود، وبسبب هذا التنوع في الحفلات، قامت الفرقة بتنويع الفقرات والأغاني والاستعراضات؛ ولأن الساحة الإسلامية لا يتوافر فيها ما يفي بهذا التعدد، ولكي لا تكرر الفرقة نفسها في فقرات كل حفل فتفقد تميزها وتشعر المدعوات بالملل والرتابة، فقد لجأت الفرقة إلى استخدام بعض الألحان القديمة وتركيب الكلمات عليها، وبعض الأغاني أخذتها كما هي مع تغيير الفقرة غير المناسبة مثل أغنية "يا عشاق النبي" لسيد درويش، والتي تم تغيير الكلمات التي تدعو للتبذير "إن شاء الله تمللي سبهللي" واستبدل بها "إن شاء الله تمللي كريم أوي" وأصدرت الفرقة أول شريط إسلامي للغناء بصوت البنات، وهو شريط "زى البنات".

 

وتتابع ظهور فرق أخرى محترفة، وانتشرت بصورة كبيرة على مستوى القاهرة حتى أننا نكاد نجد في كل حي فرقة من الأخوات، وأحيانًا لكل مسجد فرقة، وانتقلت الفكرة إلى بعض المحافظات على مستوى الجمهورية، وقد نجد بعض الفتيات يتطوعن في أفراح صديقاتهن مقلدات هذه الفرقة، ومما يلفت الأنظار أن نجد بنات غير ملتزمات دينيًّا ينشأن فرقة إسلامية لإحياء الأفراح والمناسبات.

 

واتسعت دائرة تخصص الفرق، فخرجت عن نطاق الأفراح وحفلات المسجد إلى حفلات للأطفال للنجاح وحفظ القرآن وتعلم الصلاة، وبديل إسلامي لأعياد الميلاد، وحفلات السمر، خاصة في الأعياد، ووسيلة دعوية مصاحبة للوعظ بالبيوت للأهل والأقارب والصديقات والجارات من النساء والبنات والأطفال، والاحتفاليات العامة للمناسبات المختلفة، إلى جانب حفلات الخطوبة والحنة والعقيقة للمولود... إلخ.

 

كما زادت مساحة التغيير والتطوير في صور أداء فرق البنات، فأصبحنا نرى الأخوات يخلعن الحجاب ويصففن شعورهن لدى "كوافيرة" المحجبات، ويظهرن على المدعوات بأزياء السهرة العارية الخاصة بالأفراح، وقد يظهر جزء من البطن أو الفخذين، والبعض يرسمن الوشم على البطن والذراعين، ويضعن المساحيق على الوجوه، ويستعملن الميكروفون، وقد يغنين في وجود العريس لأنهن يرين أن صوت النساء الجماعي ليس بعورة، ويستعملن الشموع والأطواق.

 

وللإعلان عن الفرقة، تلجأ بعض الأخوات إلى طباعة "بطاقات" للتعريف بالفرقة تحمل صورة صاحبة الفرقة والبيانات اللازمة للاتصال بها، وعلى ناصية أحد شوارع المهندسين وضعت إحدى فرق البنات إعلان للفرقة على لوحة ضوئية، ويحمل الإعلان صورة للأخت صاحبة الفرقة، والتي تجاوزت العشرين من عمرها على الأقل، وعلى أشرطة كاسيت الأغاني نرى صورًا لبنات محجبات هن أصحاب الأصوات الغنائية على الشريط؛ لأنهن يرين أنهن لم يصلن سن التكليف، وتنشر هذه الفرق إعلانات الدعاية لها ولإصداراتها على صفحات الجرائد والمجلات الإسلامية.

 

ومع اتساع نطاق انتقالهن لإحياء المناسبات المختلفة في مناطق أخرى، أصبحن يتأخرن ليلاً مع سائق أجنبي حتى الثانية عشر وما بعدها، كما تطورت "الإسكتشات" والفقرات التمثيلية التي يقدمنها، فتطلبت تغيير الملابس حسب طبيعة كل عرض، فنرى الأخوات في بعض الفرق أحيانًا يرتدين زي الفلاحة أو البدوية أو الزي الشعبي... إلخ، ويرقصن الرقص البلدي، أو يرتدين زيًّا متبرجًا ويؤدين فقرات تمثيلية... إلخ.

 

بين الرفض والقبول:

ومع هذا الانتشار لفرق البنات الإسلامية وهذا التنوع والتطور، والتقليد للفرق الغير إسلامية في محاولة لتقديم بديل إسلامي، ومع كل فرح أو حفلة، ومع صدور كل شريط إسلامي للبنات تثور المناقشات وتختلف الآراء بين الناس حول جواز هذا الشكل لأداء الأخوات شرعًا أم لا، وحول كونه لائقًا أم غير لائق بالدعوة التي تبتكر الأخوات هذه الصور من أجل نجاحها وضمان فعاليتها وتأثيرها في نفوس المدعوات.

 

وما زلنا حتى اليوم نسمع الانتقادات من البعض "ملتزمات وغير ملتزمات"، من الأخوات وغيرهن، بل إن أخوات الفرق أنفسهن تختلف مفاهيمهن عن أدوات ومساحة التغيير والتطوير الذي تلتزم به الفرقة؛ لتحافظ على سمتها الإسلامي ولا تخرج عن الهدف الأصلي الذي ظهرت من أجله وهو الدعوة.

 

ومن أهم المسائل التي اختلفت حولها الآراء مسألة الاحتراف بأجر، وخلع الحجاب، واستعمال الآلات الموسيقية والميكروفون، والغناء في وجود العريس، والتأخير ليلاً مع سائق أجنبي، والرقص البلدي، وظاهرة تركيب الأغاني الإسلامية على ألحان غير إسلامية وتصوير الفيديو.