لمن يريد أن يعرف لمحات من معنى الثورة، والسبيل الشريف إليها، وإلى التحقق بقيمها وأهدافها، أقدم هذه السلسلة من المقالات، ملتمسًا العون من الله، على أن يوفقني للحديث عن أعظم ثائر في البشرية على الكفر والفساد، الشريف العظيم الكريم الرءوف الرحيم، الذي لا يخشى في الله لومة لائم، النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هدم دولة الكفر والفساد ليقيم لهذا الوجود أعظم دولة عرفها التاريخ، دولة الحق والعدل والحرية والكرامة. ولعلنا لا ننسى أن النبي وهو ثائر على الفساد في دولة الكفر، لم ينس أن يثور ليهدم الأحقاد في دولة الإيمان!.
النبي على أبواب مكة
(1) النبي وأبو سفيان:
لم تعرف الدعوة الإسلامية في بقاع الأرض رجلاً ناصب النبي العداء مثل ما فعل أبو سفيان، ذلك الرجل صاحب السلطة والسطوة والمال، ذلك الرجل الذي امتلأ قلبه بالحقد على النبي محمد، ذلك الرجل الذي كلما أطفأ الله نارًا للحرب على نبينا الهادي أشعلها بكبره وتسلطه وعناده، وخوفه على جاهه وسلطانه، لقد كان أحد أشراف مكة الذين قتلوا وعذبوا المسلمين الضعفاء في بداية الإسلام، وكان سببًا رئيسيًّا في أن يهجر هؤلاء المساكين له بيوتهم وأموالهم خوفًا من بطشه ومن حوله من سادة قريش، وكان أحد قادة مكة الذين سعوا لفرض الحصار على النبي الكريم، في شِعب أبي طالب، بعد أن كتبوا كتاب المقاطعة والحصار على جلد مقدس كان جزءًا من ثياب الكعبة من قبل، وعلق على جدار مقدس هو جدار الكعبة، وينص الكتاب على وجوب مقاطعة محمد وأصحابه دينيًّا، وبأمر من الآلهة التي كانت آنذاك جاهزة لتنزل لعناتها وتصب جام غضبها على أولئك الذين يظهرون أي لون من التعاطف مع الدين الجديد!!
وبالفعل تم الحصار في شعب أبي طالب، ووقف في مقدمة أشرار مكة على تخوم شعب أبي طالب يمارسون أبشع أنواع القطيعة للأهل والرحم والقرابة والعترة ولا يبالون بما ينال النساء والأطفال والشيوخ، على عكس عادة العرب.
ويذكر التاريخ أن الحصار اشتد وعانى المسلمون الأمرّين من مرارة الجوع ومرارة الحصار، واستبد بهم الجوع حتى أكلوا أوراق الشجر، وسمع بكاء الصبية خارج الشعب، لقد كان أبو سفيان في مكة أحد رءوس العداء، وربما تتذكرون أنه بعد معركة بدر وقتل جبابرة مكة من قبل علي وحمزة وبقية المسلمين، صار أبو سفيان رأس العداء، وقاد كل الحروب ضد النبي الخاتم صلوات الله عليه وآله وسلم وخاصة حربي أحد والخندق، وأنه أول من نادى للقاء المسلمين في غزوة أحد، وأنه صعد الجبل حين انهزم المسلمون، بعد أن مكث وقتًا يبحث عن جسد رسول الله بين القتلى فلم يجده، وظل ينادي يا محمد يا محمد، فأذن رسول الله لسيدنا عمر أن يجيبه، وسأل سيدنا عمر هل مات محمد، فأجابه بأنه حي، ودار الحوار الشهير الذي قال فيه أبو سفيان لسيدنا عمر: يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول، فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فأجابه سيدنا عمر: الله مولانا ولا مولى لكم!
فإذا كان هذا بعض ما فعل أبو سفيان برسول الله والضعفاء من المسلمين فماذا كان يستحق من رسول الله وقد قدره الله عليه، وأذله بقدرته؟ كان بإمكانه أن يصلبه على أبواب مكة، وكان يستطيع إن أراد أن يقتله انتقامًا للفقراء الذين سلبهم أموالهم، وقتل بجبروته بعضهم، وبحق البسطاء الذين عذبهم، وجعلهم يهجرون ديارهم ويهاجرون في سبيل الله سرًّا، هربًا من بطشه عليهم، كان يمكن أن يطالبه بدماء المسلمين وأموالهم وديارهم، وكان يمكن أن يفعل ذلك قصاصًا، من منطلق الآية: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)) (البقرة)، لكنه اختار الرحمة، بل وأكرمه بأن من دخل داره فهو آمن.
أرأيتم عظمة النبي الخاتم؟ سامحه وعفا عنه، ليضرب على مر التاريخ أروع الأمثال للثائر الحق، ويعلم كل من في الأرض أنه حين ثار من أجل الحق والعدل، ثار أيضًا من أجل أن يؤسس لهذه الدولة، ويرفع قواعد الحق والعدل على أساس من الرحمة والعفو.
سامحه لتعلم البشرية على مر العصور أن الثائر الحق هو: من يعفو حين يقدر ويرحم حين يملك ويعلم كل من له حق عنده من المسلمين، وكل مظلوم ظلمه أبو سفيان وقومه، أن ديننا الحنيف، ليس دين انتقام وتشفٍّ، وثأر وقصاص، بل هو دين رحمة وقيم، وشكر لله على أن نصرنا بأن نعفو عمن ظلمنا.
------------