حسن البنا رجل اصطفاه الله ليجدد الإسلام في نفوس الناس بعدما انتزعته الدنيا من نفوسهم، واجتباه لاستعادة الخلافة الإسلامية بعدما سقطت على أرضهم،
حسن البنا اسم يذكرك بالله حين تنطقه، ويرمز إلى الإخلاص والجهاد والتضحية والعمل وقتما تذكره.
سيدي الإمام أكتب عنك اليوم لازداد شرفًا، وأذكر الناس بك لأنال أجرًا، فذكر الصالحين طاعة، ومدارسة سيرتهم تعين على العبادة، وكل موقف من تاريخك مدرسة أتعلم منه، وكل كلمة في كتابك موعظة أنتفع بها، قلمي يرقص طربًا وأنا أكتب عنك، وأناملي تتألق فرحًا وأنا أخط إهدائي إليك.
سيدي الإمام قد يعاتبني البعض وأنا أبتدئ كلماتي بروعة الثناء والمدح، وأنا لا أبالي فلو قرءوا عنك لعلموا أني قصرت.
ولم لا أمدح؟ وأنا عرفت النور بعدما جعلك الله لي سببًا، فأسست وربيت جيلاً مخلصًا أخذ بأيدينا إلى الله، إن أقل ما يقدم لك ثناء وشكر فأنت نعمة من الله على أمة فقدت مجدها، والتهمتها الدنيا فتاهت في غيها.
سيدي الإمام، تعبدت بمدارسة سيرتك الأيام والليالي الماضية، فما استغربت شيئًا مما حدث لك سواء في حياتك أو يوم استشهادك، لأنك كنت عظيمًا في غابة الأقزام، حسدك الملوك، وحقد عليك الأمراء ، وغار منك الزعماء، ظنوا أنك تجمع القلوب حولك لنفسك، ونسوا أن الله يشرح صدور العباد لمن أطاعه، ويجمع القلوب حول من لبى نداءه.
سيدي الإمام، لم أتوقع لك موتة غير تلك التي نلتها، ولو كان غيرها لاستنكرتها، فرجل عاش مجاهدًا ساعات نهاره ودقائق ليله، كيف تكون موتته؟! فلو غير تلك الشهادة لكان الأمر عجبًا، كما تعجب خالد يوم مات على فراشه وجسمه غني بالضربات والطعنات في سبيل الله.
سيدي الإمام، إن أروع ما تعلمته منك إيمان بالله لا يتزعزع، وتسليم بالقضاء والقدر لا ينفك عن القلب لحظة، والتزام بالدين والأخلاق يعلم الناس بالنظر إليك دون أن تتحدث إليهم.
سيدي الإمام، لقد رحلت عن دنيانا، بعدما أحييت في نفوسنا الأمل، فإنسان عاش ما عشته من محن، وتجرع ما تجرعته من كئوس الظلم والاضطهاد؛ حري بت أن يسلم ويستسلم، لكنني تعلمت منك ثقة في الله لا حد لها، وإيمانًا بفكرتك لا مقياس له، وثباتًا على المبادئ لا نهاية لكماله.
سيدي الإمام، أنت من علمت الإخوان الأمل وغرست في نفوس الأجيال انتظار النصر المحقق والموثوق منه، كنت ترى من وراء الحجب للأمة نصرًا لم يره أصحاب الهمم الدنية، والنفوس المريضة اليائسة، بل كان أصحاب الالتزام يتشككون فيه بعض الأوقات، رفعت شعار النصر للأمة وحققه أبناؤك من بعدك، أجهز عليك الظالمون في ليل مظلم؛ فصارت دعوتك نورًا يبدد ظلامهم وسيفًا يجتث طغيانهم، أسقطوك شهيدًا في ليلة سقط فيها آخر حكامهم وعملاءهم، ففنوا وبقيت دعوتك، وهلكوا ونجى أتباعك.
سيدي الإمام، رسمت للأجيال طريقًا، وأوضحت معالمه، وبينت منتهاه، واليوم يعلم القاصي والداني روعة ما رسمت، وجمال ما أبدعت.
سيدي الإمام، الأمل في كلماتك أحيا نفوسا ميتة، وأيقظ هممًا نائمة، وبوأ الأمة مكانة عالية، فكلما اشتدت المحن، وتكالبت الشدائد، وضعفت العزيمة، ويئست القلوب، واستسلمت النفوس، تأملت سيرة سيدك ونبيك ثم سيرتك، فتبدل اليأس أملاً، والضعف قوة، والهزيمة نصرًا، والمحن منحًا .
سيدي الإمام، سكبت في قلوبنا أنوار الإيمان، وحب الإسلام، رفضت أن ترتقي منصبًا، وأن تتبوأ في الدنيا الزائلة منزلاً، وأن تصاحب أميرًا أو ترافق ملكًا، لأنك لا تعمل إلا لله، ولا ترغب إلا في ثوابه، ولا تطمع إلا في رحمته، ولا تسعى إلا لرضاه، علّمت أتباعك الإخلاص عملاً لا قولاً، وتطبيقًا واقعيًّا ، لا سردًا نظريًّا، فأنت من رفضت أموال الغرب، ومناصب الشرق، وعروض الزعماء، والرؤساء طمعًا فيما عند ربك .
سيدي الإمام أحييت في النفوس الإيمان بعدما دفنه الاستعمار فيها، شوقت الناس إلى سالف مجدهم بعدما نسوه أو تناسوه ويئسوا من أن يعودوا إليه يومًا.
رددت الناس إلى ربهم بعدما غابوا عنه الأعوام والسنين، كنت تخطو إلى المساجد وحيدًا يتعجب كبار السن منك، وما حولك كثير مثلك، وصار أتباعك اليوم يملئون المساجد وشوارعها المحيطة.
سيدي الإمام، تركت للأمة جيلاً رائعًا، قلبه شغوف بطاعة ربه، وعقله هائم في رفعه شرعه، غرست في الهضيبي عقلانية وحكمة، وفي أبو النصر ثباتًا وقوة، وفي مشهور إيمانًا يقظًا ولطفًا، وفي عاكف جهادًا وحماسة، وسكبت في قلب بديع القرآن فلا ينطق إلا بحروفه.
كل أتباعك استقوا منك الالتزام والتدين والقرآن كئوسًا صافية بعدما أجرى الله أنهار معرفته في قلبك، وارتوت نفسك بحب رسولك صلى الله عليه وسلم.
سيدي الإمام، أكتب إليك اليوم وأنا أذكر يوم تنازلت عن ترشحك لمجلس الشعب لمصلحة الدعوة والدولة، رغم أنك كنت مطلبًا للجماهير كلها، واليوم راحت أصوات أبنائك تشدوا تحت قبب المجالس التشريعية في الدول بما فيه مصلحة الدعوة والدولة.
لقد أورث حبك لدعوتك وتفانيك لخدمة المسلمين إخوانك اليوم تكاتف الناس معهم والتفافهم حول رايتهم.
سيدي الإمام، الناس اليوم ينظرون إليك بمادية عقولهم أنك رحلت صغيرًا وهم معذورون فقد حسبوا عمرك بالسنين والأيام، ولكني حسبته بحسابك حين قلت أن عمر الإنسان لا يحسب بمرور السنين، وتداول الأيام وإنما بما أنتجه، فعمرك مديد، وأنت كبير، ولا زلت بيننا بسيرتك العطرة وإنتاجك الطيب، ولا زالت شجرتك التي زرعتها تؤتي أكلها كل حين فتثمر للناس أينع الثمر وأطيبه، وتفوح بأطيب الريح وأعطره، وكلما اشتد هجير الدنيا على الناس استظلوا بظلالها فهى شجرة غرستها بيدك ورويتها بالقرآن والسنة ورعاها الله تعالى لك فنمت وأثمرت ، واليوم الأمة كلها تحصد ثمارها، وتتنسم من عبق عبيرها.
سيدي الإمام، يطول الكلام فى محاسن وهبك الله إياها، ويحلو الحديث عن فضائل اختصك الله بها، وأطمع في رحمة الله أن يجمعني يومًا بك لنعلن أمام رسول الله أننا كنا على نهجه سائرين.
أسأل الله أن يعمّك برحمته وأن يرزقك رفقة النبي وصحبته، وأن يختم لنا حياتنا ونحن على الهدى والإحسان، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الأخيار.