خرجوا وفي قلوبهم الأمل.. تداعب أعينهم اللامعة أحلام الحرية، وقد حملوا أرواحهم الخضراء فوق أكفهم، وإذا بأيادي الغدر تغتال بسمتهم وتقتل إشراقة غدهم، لكن قلوبهم الحرة ما زالت تحلِّق في سمائنا تهتف بكل أبيٍّ: "لا تنسونا" فتجيبهم أدمع شوقنا: "أبدًا فأنتم يا شموس حياتنا قد أضأتم لنا الدرب.. وأنتم دومًا دومًا في قلوبنا".
1- زفاف إلى الجنة.. أحمد إيهاب
لم يكن أحمد إيهاب يعلم وهو يزف إلى عروسه قبل شهرين من 28 يناير 2011 أنه على موعد لتزفه الحور العين إلى جنة الشهداء يوم جمعة الغضب.
تخرَّج أحمد في كلية الهندسة جامعة حلوان، وبعد تحقُّق حلمه الأول استطاع تحقيق حلمه الثاني بالزواج ممن يحلم بها.. لكنَّ أحلامًا كثيرة ما زالت تداعب جفني أحمد؛ فهو ما زال في التاسعة والعشرين من عمره، ويريد حياةً كريمةً وهانئةً له ولأبنائه في المستقبل، ولكن حال البلد لا يسر ولا يدعو إلى الاستبشار بمستقبل مضيء ينتظر الأبناء، فالبلد تحكمها عصابة تهوي بها من قاع إلى قاع ومن حضيض إلى حضيض.. كان أحمد يشعر مثل غيره من الشباب بالظلم والاستبداد والحزن على حال حبيبة قلبه وقرة عينه.. مصر.. لكنه لم يستطع الخروج عن صمته حتى جاء يوم 25 يناير حاملاً معه بشائر التغيير.. حينها قرر أحمد قرارًا لا رجعة فيه.. الخروج للمشاركة في يوم 28 يناير، وأخبر زوجته أنه ليس في إمكان كائن من كان أن يثنيه عن قراره بعد أن تحرر من قوقعته إلى الأبد.
رغم أنه لم يكن يتخيل الوحشية التي قابل بها الأمن التظاهرات السلمية فإنه أبى الهروب من أمام جحافل الأمن، بل وقف متحديًا إياها عند مدخل كوبري قصر النيل؛ حيث كانت قوات الأمن تحاول منع دخول المتظاهرين إلى ميدان التحرير، وكان أحمد واحدًا من الذين تصدَّوا لها ببسالة وشجاعة نادرة كما روى مرافقوه.
أخذت نسائم الحرية تنطلق من صدره وقد تراقصت آلاف الأحلام والآمال أمام عينيه، وقد استطاع مع غيره التمهيد لزملائهم بدخول ميدان التحرير، لكن رصاصات الغدر أبت إلا أن تغتال أحلامه، فقد أصيب بثلاث رصاصات اخترقت واحدة منها عينه، وبينما ظلت زوجته في انتظاره على أحر من الجمر ليحكي لها صنيعه في أروع ثورات التاريخ، وقد عصف بها القلق بعد انقطاع اتصالات الهاتف المحمول.. استطاع زملاؤه أن يحملوه إلى مستشفى "الحسين" الجامعي بالقاهرة، لكن روحه الطاهرة أبت إلا أن تعود إلى بارئها يوم 2 فبراير حاملةً معها الشكوى إلى الله من هؤلاء القتلة الظالمين المستبدِّين، بعد أن كانت أكبر حافز دفع جحافل شعب مصر إلى الخروج عن صمتهم لاستكمال مسيرة الشهداء.
2- قلب حنون وجريء.. أحمد مصطفى ثابت الشهير ببلال
هل شهدت يا أمواج البحر الغاضب على لحظات ظلم غاشم وقهر غاصب حين انطلقت روحه الطاهرة تشكو إلى بارئها قلوبًا أشدَّ قسوةً من الجبال؟.. قسوة أبت إلا أن تحرم أمه الثكلى من ذلك القلب الحنون إلى الأبد..
إنه أحمد مصطفى، الشهير ببلال، ابن مدينة الإسكندرية؛ الذي كان مثالاً للحنان والعطف والبر بوالدته، فقد كان الأكثر برًّا بها وحنانًا عليها من بين إخوته.
قرر- وقررت ظروفه الصعبة معه- أن يترك التعليم ليعمل ويساعد والدته.. ترك كتبه مضطرًّا وراء ظهره ونزل صغيرًا ليطحن في أرض العمل القاسية التي لا ترحم، ورغم أنه كان في الثامنة عشرة من عمره فقد كان يستشعر المسئولية الكبيرة التي ألقيت على كتفيه بعد وفاة والده، خاصةً في وجود شقيقته المعوقة التي زادت همه همومًا، ورغم مرارة الحياة فإنه كان يحتفظ بقلبه غضًّا حنونًا يعطي والدته نتاج عرقه بحب وعطف.
ولأنه كان أكثر من يشعر بقهر نظام الحكم له ولأمثاله، ولأنهم في سدة الحكم لا يشعرون بمعاناتهم؛ فقد قرر المشاركة في تظاهرات25 يناير وقررت أمه الخروج معه، فانطلقا سعيدين تنطلق حناجرهما مع الغاضبين طلبًا للعيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية.
ثم جاءت ليلة 28 يناير فوقف أحمد لأمه طالبًا منها عدم النزول إلى تظاهرات الغد؛ فهو يخشي عليها؛ لأنه كان يشعر من قلبه بعدم الارتياح، وبأن شيئًا ما خطيرا على وشك الحدوث، فانطلقت أمه بدورها تطلب منه عدم الخروج في ذلك اليوم هو أيضًا.. ابتسم لها ابتسامة غامضة وهو يهز رأسه بالموافقة.
استيقظت الأم مبكرةً وفي قلبها هاجس يعبث بأمنها.. سارعت تلقي نظرة على فراشه فإذا به نائمًا متدثرًا بغطائه.. مر وقت طويل وهو ما يزال مستلقيًا في فراشه.. انطلقت آهة من صدرها: هل تشعر يا حبة عيني بالحزن لأنني منعتك من النزول؟!
قطع سكون قلبها طرقات عنيفة هزت الباب.. صرخ الطارق أن ابنها قد أصيب في تظاهرة المنشية.. هزت رأسها متعجبةً من ذلك الخبر، فهو ما يزال نائمًا في فراشه.. انطلقت مسرعة لتكشف الغطاء فإذا بوسائد مرصوصة فوقه لإيهامها أن ابنها ينام في سلام، وإذا بالشاب الذي أبى أن ينام متدثرًا بالدفء بعيدًا عن نسيم الحرية يموت شهيدًا..
لقد خرج منطلقًا وسط زملائه ليتلقَّى رصاصة غادرة في رقبته أودت بحياته لتنطلق روحه الحرة تسطِّر على صفحة السماء بشائر الحرية.. ولتشهد أمواج البحر الغاضب بعث فجر جديد.