بورسعيد المدينة الباسلة، التي واجهت العدوان الأجنبي بعزيمة صلبة وصمود لا يلين، كانت هذه المدينة بوابة المقاومة التي ذادت عن مصر المحتلين، بدايةً من مقاومة الاحتلال البريطاني عام 1882م، ثم الحدث الأكبر كان وقوفها في وجه العدوان الثلاثي من 1956م حتى 1967م عندما تمكَّن الاحتلال الصهيوني من السيطرة على سيناء كاملةً باستثناء بور فؤاد، وتهجير أهالي بورسعيد؛ لتتمكن القوات المصرية من محاربة الاحتلال مع من بقي من المقاومين البورسعيديين، وسجَّل التاريخ شهادته لهده المدينة الباسلة بأحرف من نور.

 

وفي عام 1976م أصبحت المدينة جاذبةً للسكان من مختلف المحافظات، بعد تحويلها إلى منطقة حرة، وازدهرت المدينة اقتصاديًّا وسياحيًّا في عهد السادات حتى وصلت إلى حالة من الرواج طوال أيام السنة.

 

ثم أصابها التدهور والتراجع مع عهد المخلوع، وشهدت أزمات اقتصادية متلاحقة مع تدهور الوضع الاقتصادي للبلاد؛ مما أدى إلى حالة من الكساد أصابت بورسعيد ومواطنيها الذي كان أحدهم "حسن سليمان" الشهير بأبو العربي.

 

فبالرغم من الخطة الأمنية المحكمة التي سبقت زيارة المخلوع لبورسعيد للمرة الأخيرة في النصف الثاني من عام 1999م بسبعة عشر يومًا، إلا أن خطأ حرس الرئيس كان السبب وراء الإهمال المتعمَّد من النظام السابق لهذه المدينة بعدما قتلوا ظلمًا المواطن "حسين سليمان"، مدَّعين أنه حاول اغتيال المخلوع وقتها، على الرغم من أن التحقيقات لم تثبت امتلاكه سلاحًا أبيض أو زجاجة مياه نار، كما ادَّعى النظام، والحقيقة الوحيدة الثابتة بشهادة الجنود الذين أمَّنوا الموكب وكل الموجودين بالمكان وقتها أن كل ما أراده هو إيصال ورقة بمطلبه كبقية أبناء بورسعيد الذين اعتبروا هذه الزيارة هي الحل للكساد الاقتصادي الذي عاشوه.

 

وبدلاً من أن تخرج الزيارة المدينة من أزماتها عاقب النظام أهلها بعد هذه الحادثة المزورة بقطع أرزاقها وإلغاء المنطقة الحرة لقتلها اقتصاديًّا، وهي التي تعتمد على التجارة كمصدر رزق أساسي لأغلبية السكان، ثم إصدار قانون الوارد الذي سمح لكل الموانئ المصرية باستيراد الملابس بعدما كانت ميزة تنفرد بها المدينة وحدها، ثم استثناها من كل الاهتمام الذي طال بقية مدن القناة، كما لم يزرْها مبارك بعدها مطلقًا حتى تاريخ خلعه من الرئاسة.

 

مسرح المؤامرة

ويعود شبح المؤامرة مرةً أخرى ليخيّم على الأوضاع في المدينة الباسلة بعد الأحداث الدموية التي وقعت بإستاد بورسعيد وراح ضحيتها أكثر من 70 من الشباب المصري؛ حيث أكد تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكَّلها مجلس الشعب عقب الأحداث مباشرة استمرار أيادي أعوان المخلوع في العبث بالمدينة بدءًا من التقصير الأمني في التأمين والفصل بين الجماهير، وكذلك عدم تفتيش الجماهير على غير العادة، ثم السماح بنزول الجماهير لأرض الملعب قبل وأثناء وبعد المباراة من قبل ضباط المباحث داخل المدرجات.

 

واستمرت المؤامرة وفقًا للتقرير بقيام هيئة الإستاد بلحام أبواب خروج الجماهير، وإطفاء الأنوار بالمخالفة للقانون قبل خروج الجماهير، وكذلك تركها لبعض الصناديق بجوار المدرجات؛ مما سمح بسهولة القفز إلى الملعب.

 

وكذلك استخدام البلطجية لتوتير الأجواء وضمان أكبر عدد من الضحايا لإشعال الفوضى خدمةً لأغراض سياسية لصالح المخلوع وعصابته، وتعهد تقرير تقصي الحقائق بتقديم المخططين لهذه الجريمة بالأسماء للمحاكمة.

 

واكتملت عناصر المؤامرة بشحن الجماهير قبل المباراة لدفعهم إلى المواجهة، برعاية عدد من وسائل الإعلام، كما حمَّل التقرير قوات الجيش المسئولية لاختفائها من المشهد، بالرغم من تأمينها المباريات السابقة بين الفريقين في بورسعيد.

 

والآن يعيش أهالي محافظة بورسعيد حالةً من الحصار النفسي والاجتماعي أكبر من الحصار الاقتصادي، بعد توقف موردي السلع الغذائية عن إدخال سيارات النقل إلى المدينة، وتوقف حركة أسواق المدينة التجارية بسبب انعدام زوَّار البلد تقريبًا من خارج السكان.

 

وأكد المركز المصري للحق في الدواء بعد زيارة عدد من الصيدليات بالمدينة النقص الحاد بأصناف مهمة من الأدوية كالأنسولين، وأدوية علاج جلطات القلب والضغط وأمراض الجهاز التنفسي والجهاز الدوري والجهاز الهضمي.

 

حصار نفسي

ندى سالم (الطالبة وإحدى ساكنات مدينة بورسعيد) تؤكد أن أوضاعهم سيئة بعد العزلة التي فرضت عليهم عن الخارج، موضحةً أن التجار تأثروا كثيرًا فلم يدخل لهم جنيهًا واحدًا، أما المواطنون فأصبح لديهم خوف من الخروج من بورسعيد؛ بسبب الطريق، قائلاً إنه بالرغم من الأعمال المهمة التي عليهم أن يقضوها قرَّروا البقاء في المدينة وعدم المجازفة بالخروج.

 

أما السلع الغذائية فأكدت أن المعروض منها يكفي تقريبًا السكان، لكن أسعار بعضها ارتفعت نظرًا لصعوبة الحصول عليها، كالخضار والفاكهة، وتقول إن مبادرات فك العزلة التي بدأت بالرحلات التي نظَّمها الإخوان في الأسبوع الماضي وطلاب جامعة الأزهر، رفعت كثيرًا من الروح المعنوية للسكان.

 

ويؤكد سامح منصور (الموظف بالتربية والتعليم) أن الحصار الحقيقي ليس كما يُشاع في السلع الغذائية والتموينية، بل هو حصار اجتماعي زاد منه الحوادث التي تقع على الطرق للسيارات التي تحمل لوحات لمدينة بورسعيد.

 

وأشار إلى أن استقبالهم للوفد الذي نظَّمه حزب الحرية والعدالة بداية الأسبوع الماضي، ملأه البكاء والدموع بعد الشعور النفسي بالعزلة الذي سكن بورسعيد، قائلاً إن الوفد تكون من 200 سيارة حضروا من دمياط وشمال سيناء والإسكندرية والجيزة، وانتشروا بمختلف أسواق المدينة في محاولة لإنعاش الحركة بها.

 

الشائعات

أما سمير حمودة (المحاسب بمنطقة الاستثمار ببورسعيد ورئيس لجنة الاتصال بالقوى السياسية بحزب الحرية والعدالة)، فيوضح أن أهم مظاهر الحصار هو خوف السيارات من الخروج أو الدخول إلى بورسعيد؛ بسبب الشائعات التي يتناولها البعض بالتعدي على السيارات التي تحمل لوحات "بورسعيد"، بالرغم من عدم توثيق أيٍّ من هذه الحوادث حتى الآن.

 

ويتابع: انخفضت كميات السلع الواردة بالطبع، وتوقفت حركة الشراء والبيع داخل الأسواق في أغلب السلع الغذائية، فـ600 أسطوانة بوتاجاز فقط تحصل عليها بورسعيد بعدما كانت تصلها 1200 أسطوانة يوميًّا، مضيفًا أن الكثير من الأهالي أصبحوا يهابون الذهاب إلى أعمالهم خارج بورسعيد، كما رفض آخرون القدوم إلى أعمالهم داخل المحافظة.

 

ويؤكد أن الحزب مستمرٌّ في تنظيم المبادرات لفكِّ هذه العزلة عن المدينة بالتنسيق مع الأحزاب في مختلف المحافظات بمبادرة: "بنحبك يا بورسعيد"، والتي بدأت منذ الأسبوع الماضي ومستمرة طوال الفترة القادمة بمشاركة أعضاء مجلسي الشعب والشورى.

 

وكذلك قام محمد عبد القدوس، عضو نقابة الصحفيين، بتنظيم حملة بمشاركة أكثر من 100 شخصية عامة بعنوان "مبادرة رأب الصدع"؛ لتأكيد أن هذه الحملة الموجهة ضد بورسعيد ما هي إلا حلقة من سلسلة محاولات الفلول لزرع الفتنة داخل مصر، بجانب المسيرات التي نظمها بعض المثقفين والفنانين خلال الأيام الماضية.

 

كما نظَّمت بعض الحركات والائتلافات وحملات دعم المرشحين الرئاسيين تحركات مشابهة؛ بهدف كسر الحصار عن المحافظة بتنظيم قوافل من شتى أنحاء الجمهورية إلى المدينة.

 

التشجيع

 الصورة غير متاحة

 د. حمدي عبد العظيم

من جانبه يؤكد الدكتور حمدي عبد العظيم (الخبير الاقتصادي) أن مبادرات تنظيم المعارض والمؤتمرات ستسهم بقدر كبير في إنعاش السياحة والتسوق بالمدينة؛ لأنها ستنقل صور الأمان والاطمئنان وعودة الأوضاع إلى طبيعتها، فتعمل على زيادة القوة الشرائية، مشددًا على أهمية تحرك الحكومة لتوفير السلع الغذائية بالمجمعات الاستهلاكية؛ لأن زيادة المعروض من السلع يخفض من أسعارها.

 

ويوضح أن الدور الأكبر للحكومة يأتي بتشجيعها للمنطقة الحرة التجارية الاستثمارية بدلاً من محاولات إلغائها، عن طريق الإعلان عن تغيير أوضاع الجمارك على بضائعها، وكذلك تطهير الأجهزة والمحليات المشرفة عليها؛ لأن تشجيع التسوق هناك سيزيد من إنتاج مصانعها ويسهم في تحقيق انتعاش سريع، وعودة المكانة التجارية للمدينة.

 

ويقول البدري فرغلي (عضو مجلس الشعب عن بورسعيد): إن من أولويات البرلمان لحل هذه الأزمة هو محاصرة ومحاسبة القنوات الفضائية التي أشعلت الفتنة وأجَّجتها لدى المشجعين، جنبًا إلى جنب مع ضبط الانفلات الأمني وكشف الحقائق والمتسببين فيها.

 

ويؤكد أن تقرير لجنة تقصي الحقائق أبعد شبح الاتهام عن أهالي بورسعيد، وساعد على تحجيم عبث الفلول بالمدينة وساعد على بداية عودة الأوضاع إلى طبيعتها، وفك الحصار النفسي بعد كشف المؤامرة.