إذا كان العمل المجتمعي إحدى النعم الكبرى التي أنعم الله علينا بها بعد ثورة كتب الله بها أن تمنح المقهورين حرية الكلمة والعمل، وتفتح لهم وعليهم أوجه النشاط على مصراعيه، وتمكن الدعاة من الاتصال بالناس في كل وقت وكل مكان دون قيود تقريبًا، إلا أنه رغم كل هذه الميزات، فإن العمل المجتمعي لا يخلو من خطورة خفية، قد تصيب من يقوم به بآثار سلبية عميقة، إن لم يتم التنبه لها مبكرًا، وإذ لم يدرك طبيعة العمل المجتمعي وخصائصه.
* خصائص العمل المجتمعي
أول خصائص العمل المجتمعي أنه عمل (مغرٍ) للغاية، يغري الجماعات والأحزاب ونشطاء العمل الدعوي في السير في كل اتجاه بشغف ونهم، ويوهمهم أنهم يستطيعون أن يطرقوا كل باب، وأن ينجحوا في كل مجال، وأن يسدوا كل ثغرة، خصوصًا أنه جاء بعد حالة من الانغلاق الاجتماعي شبه الكامل مع المجتمع، تحت ضغط أمني رهيب، أصاب الجميع بالإحباط، نتيجة تعطيل الطاقات وكبت الحماس وتجميد القدرات والمهارات.
وثاني خصائص العمل المجتمعي أنه عمل (ضاغط)، فثقة الناس كبيرة بمن أعطوهم الثقة عبر صناديق الاقتراع، وأملهم الكبير جعلهم لا يتحملون عدم حدوث تغيير معقول، وإلا تحولت الثقة إلى غضب، وتراجع الأمل ليلتهمه الإحباط من جديد.
وزاد على ذلك أن توقعات الناس دائمًا بأن لا يكفى أن تتحقق طلباتهم فقط، ولكنها يجب أن تتحقق بسرعة كبيرة، تتناسب مع حجم التغيير الذي حدث على المستوى السياسي بعد الثورة.
وثالث هذه الخصائص، أنه عمل (مجهد)، يحتاج إلى قوة عاملة كبيرة تعمل لساعات طويلة، وهذه القوة العاملة لا بد أن تتمتع بحد أدنى من مواصفات أخلاقية وفكرية ومهارية تمكنها من التعامل مع المجتمع بنجاح معقول دون حدوث مشكلات كبيرة.
فإذا زاد حجم العمل عن القوة العاملة، أو لم تستغل القوة العاملة استغلالاً جيدًا، فستكون النتيجة الطبيعية أن يقل الإنجاز وتحدث المشكلات.
أما الخصيصة الرابعة، أنه عمل (مكلف)، وهو طرف ثانٍ طبيعي وحتمي في معادلة طرفها الأول عبارة عن: أعمال كثيرة+ ضغط من الناس+ جهد كبير، وهو بالفعل عصب أي عمل، وهو (عصب الدعوات) كما وصفه الإمام الشهيد حسن البنا في وصف معبر ودقيق، وبدونه تتحول الأفكار إلى حبر على ورق، ويتحول كل شيء إلى كلام.
وبناء عليه، كما يحب دكتور سعد الكتاتني أن يعقب على كلمات النواب في مجلس الشعب، مشيرًا إلى طلب الحلول والمقترحات، فإنني أقترح أن نحدد (محددات) للعمل المجتمعي، تمثل إطارًا وقيودًا له لا يجب الخروج عليها، وأقترح أن تكون هذه المحددات هي:
1- تحديد الأولويات:
وأقصد بالأولويات هنا، الأولويات التي يحددها المجتمع من وجهة نظره، لا من وجهة نظرنا نحن، الأولويات التي يراها المجتمع ملحة حسب حاجته النابعة من مشاكله اليومية وثقافته، لا حسب أهدافنا وإستراتيجياتنا، وبدون تحديد الأولويات بهذه الطريقة، سنجهد أنفسنا إجهادًا شديدًا، ولكن ونحن نسير أو نجري في طريق آخر جانبي، أو طريق عكسي لاتجاه الجمهور، وساعتها سيظل ينظر لنا الجمهور بتعجب واستغراب، ونظل نحن نقنع الناس بأننا فعلنا وفعلنا، وسيرد علينا الناس بأنكم فعلتم ما لا نريد منكم، وتجاهلتم ما كنا نريد منكم، ونكون بذلك قد بذلنا جهدًا ليبتعد عنا الناس لا لنقترب منهم.
علينا إذن ألا نستسلم لإغراء العمل المجتمعي، وأن نحدد المجالات الأهم بالنسبة للناس، وألا نطرق مجالاً آخر، إلا إذا كنا على ثقة أننا قادرون على إنجازه بصورة مشرفة.
في الحديث: (إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى).
وإذا لم نفعل ذلك فعلينا أن نتوقع تناقص رصيدنا عند الناس، بقدر ما ابتعدنا عن احتياجاتهم الضرورية.
تاريخيًّا هذا حدث في انتخابات باكستان؛ حيث فاز التيار الإسلامي بـ118 مقعدًا في أول انتخابات تشريعية حرة، ولكنه كلف نفسه أكثر من طاقته فكانت النتيجة أن حاز في الانتخابات التالية لها على 40 مقعدًا فقط.
وأرى أن أهم أولويات الناس الآن هي حل المشكلات الاقتصادية (اقتراحات: المشاركة في حل أزمة الأنابيب، المشاركة في حل أزمة الخبز، إقامة أسواق خيرية).
قال تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)) (قريش).
ويأتي بعدها مشكلات التعليم، فلنعط أولوية تفكيرنا وجهدنا لهذين المجالين، ثم ننسحب تدريجيًّا إلى ما نشاء من مجالات أخرى حسب طاقتنا.
2- فتح قنوات اتصال مع الجمهور:
ضغط الناس علينا سيخف بعد تحديد الأولويات، وسيخف أكثر لو كانت لدينا إجابات واضحة ومنطقية عما لم نستطع إنجازه من أعمال، وشرح المشكلات التي تقابلنا عبر وسيط إعلامي محدد توقيته للكافة (أقترح كلمة كل أسبوعين أو شهريًّا لأمناء الأحزاب، عبر صفحة "الفيس بوك" أو موقع "اليوتيوب"، هذه الكلمة توضح ما يبذل من جهد وما قابلناه من مشكلات، وتطلب اقتراح الحلول والمشاركة والمساعدة إن أمكن)، أعتقد ساعتها أن ضغط الناس سيخف أكثر وأكثر.
3- تنظيم جهود الأفراد وتوظيفهم جيدًا:
تفوقت اليابان على دول عربية وأوروبية كثيرة رغم ضعف مواردها بالمقارنة بغيرها؛ حيث أنها تميزت بقدرتها الفائقة على استغلال هذه الموارد القليلة، ولذا تفوقت على دول أخرى لديها موارد أكبر ولكنها لم تستطع استغلالها جيدًا.
وفي حالة انفتاح العمل المجتمعي الآن، ارتفع معدل العمل التطوعي والرغبة في الانتماء الحزبي وأغلب هذه العناصر متحمسة للعمل والإنجاز، وإذا لم توظف هذه العناصر توظيفًا جيدًا سيحدث التشتت، ثم يقل معدل الجهد بالتبعية وبالتالي يضعف الإنجاز.
واستغلال الجهد يأتي بتحديد الأهداف تحديدًا دقيقًا، ثم تحديد مسئوليات للأفراد العاملين، ثم رفع الكفاءات والمهارات، ثم التحفيز للعمل عن طريق المتابعة والتشجيع.
4- تنمية الموارد:
أقترح لجنة خاصة لتنمية الموارد، وألا يكون دعم الأنشطة إستراتيجية ثابتة لا تتغير، وأن نحاول أن يغطي النشاط نفسه ماديًّا، ففكرة الدعم الدائم لكل الأنشطة تستنزف الموارد وتضعف من القدرة على الاستمرار، كما أنها تحد من جودة العمل.
* ملاحظات:
5- لا تعد الناس بشيء غير مخطط له، وإذا وعدت اجتهد في تنفيذ وعدك، فإذ لم توفق اعتذر للناس، واشرح لهم ما بذلت من جهد، وما قابلك من مشكلات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان).
6- داخل لجان العمل حدد الأهداف بدقة، وضع لهذه الأهداف وسائل واضحة وممكنة، ثم ضعها في جدول زمني مناسب.
7- تقدم بهدوء حتى تستكشف الطريق، وتتعرف المخاطر، فكثير من الأعمال الحالية، جديدة علينا وليس لنا خبرة كبيرة بها، ولا تعلن عن عمل إلا إذا تمكنت من أدواته.
8- أفراد العمل التطوعي قد يكون لديهم الحماس وتنقصهم الكفاءة، وقد يكون لديهم الحماس والكفاءة ولكن ليس لديهم خبرة بأصول العمل الجماعي، اعرف ما ينقص أفراد العمل وحاول استكماله.
9- العمل المجتمعي عمل مفتوح، لا ينبغي أن تظهر أنك تخفي أسرارًا، أو توحي لمجموعة العمل بالغموض الذي يثير تساؤلات جانبية، كن واضحًا وشفافًا.
10- قدر آراء الجميع وناقشهم باهتمام، ونفذ مقترحاتهم إذا تم الاتفاق عليها، أشعرهم أنك تطلب منهم المساعدة بالفعل في نهضة المجتمع ورفعته من خلال قيم الإسلام العظيمة.
11- إذا لم يكن لديك رؤية واضحة ومقنعة لمجموعة العمل، سيقل الحماس مع الوقت، وستهرب الخبرات والطاقات واحدًا تلو الآخر.
12- لا بد من تحقيق إنجاز ملموس للمجموعة كل فترة، حتى يتجدد الحماس ويطمح الجميع نحو إنجاز جديد.
13- الناس تعذر من اجتهد ولم يحقق النجاح، ولكنها لن تسامح من تكاسل أو تغافل عن خدمتها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البر لا يبلى).
لقد كان العمل المجتمعي حلمًا طالما تمنيناه، وأعتقد أن النجاح فيه مرتبط بما سبق من محددات وملاحظات، وإلا فقد يتحول هذا الحلم إلى كابوس.