- مجلس الشورى مُطَالب بإعادة النظر في تسويات وقرارات الجنزوري للمؤسسات القومية

- تحويل المؤسسات الصحفية إلى شركات قابضة وتمليك العاملين بها غالبية الأسهم

- إلغاء المجلس الأعلى للصحافة وتكوين مجلس وطني للإعلام المقروء والمسموع والمرئي

- إقالة رجال العهد البائد وإسناد الرئاسات المهمة لرجال الثورة المخلصين

- تطهير التشريعات الصحفية من معوقات حرية الصحافة وتدفق المعلومات

- ميدونيات الصحافة القومية 7 مليارات جنيه مرشحة للزيادة

 

على غرار ما فعله المجلس العسكري بإصداره بعض التشريعات قبيل أيام قليلة من انعقاد مجلس الشعب، سارع رئيس الوزراء الدكتور كمال الجنزوري وقبيل أيام من انعقاد مجلس الشورى صاحب الولاية الأصلية على الصحافة القومية بتعيين رئيس تحرير جديد لجريدة الأهرام، والاجتماع مع رؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية القومية؛ لبحث مشاكلها وإيجاد حلول لها، ومن قبل ذلك إعادة تشكيل المجلس الأعلى للصحافة بطريقة أبقت على الفلول واستبعدت أبناء الثورة.. هكذا هو النظام القديم يتمسك برجاله ويسعى لتثبيت أوضاع معينة قبل أن يرحل مخليًا الساحة لنظام جديد وُلد من رحم ثورة 25 يناير ويحتاج إلى صحافة جديدة ورجال جدد يحسنون التعبير عن هذه الثورة ومبادئها وأولوياتها.

 

وكما فعل مجلس الشعب بإعادة النظر في التشريعات التي أصدرها المجلس العسكري قبيل انعقاده، فإن مجلس الشورى عليه أن يراجع القرارات والتسويات التي توصل إليها الجنزوري مع قادة المؤسسات الصحفية مؤخرًا، بل إن مجلس الشورى مطالب بإعادة النظر في وضع المنظومة الصحفية المصرية بشكل عام إعمالاً لصلاحياته الدستورية والقانونية، وتنفيذًا وتلبية لمطلب رئيسي من مطالب الثورة وهو مطلب تطهير الإعلام، وهو مطلب لم يتحقق منه الكثير بالرغم من مرور عام على الثورة، باستثناء بعض عمليات الترقيع هنا أو هناك.

 

في الحديث عن تطهير الصحافة ينبغي التفرقة بين مستويات متعددة أولهما تطهيرها من كل رموز وسياسات نظام مبارك، وثانيها هو تطهير التشريعات الصحفية من كل ما يعوق حرية الصحافة وحرية تدفق المعلومات، والثالث هو إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية بما يحول دون استمرار نزف الخسائر وتحميل موازنة الدولة مزيدًا من الأعباء.

 

بنظرة على واقعنا الإعلامي المعاصر نرى أن هناك إعلام الدولة والذي تحول إلى إعلام سلطة، والإعلام الخاص والذي أصبح جزءًا كبيرًا منه ناطقًا ومعبرًا عن رجال أعمال بعينهم، والإعلام الحزبي الذي يعبِّر عن الأحزاب السياسية، ولنبدأ بهذا الأخير باعتباره أصغر الحلقات في المنظومة الإعلامية، ومنه ننطلق إلى الحلقات الكبرى.

 

الإعلام الحزبي:

هو صيغة تقترن بالدول المتخلفة، إذ لا يوجد في الدول الديمقراطية العتيقة مثل هذا الإعلام، فلا يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية صحيفة تصدر عن الحزب الجمهوري أو الديمقراطي أو حتى تتحدث باسم أحد الحزبين، وكذا الأمر في بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا، هناك فقط صحف أو قنوات فضائية توصف إعلاميًّا أنها قريبة من خط المحافظين (مثل Daily telegraph ) أو العمال (the independent ) أو الجمهوريين (New York times ) أو الديمقراطيين.. إلخ، ووجود هذا النوع من الصحافة الحزبية في مصر حولها إلى مجرد نشرات ناطقة باسم الحزب فقط ومواقفه السياسية وأنشطته المجتمعية، وعاكسة لتوازنات القوى داخله دون اشتباك حقيقي مع قضايا وهموم المواطنين إلا بالقدر الذي يفيد الحزب أو بعض مراكز القوى داخله.

 

واستمرار هذه الصيغة في مصر يخرج الصحافة الحزبية تدريجيًّا من سوق المنافسة؛ حيث سينصرف عنها الجمهور بمن فيه أعضاء وأنصار الحزب إلى غيرها من صحف أكثر تنوعًا، وأكثر اشتباكًا مع همومه وقضاياه ومعاناته اليومية، والمطلوب لهذا النوع من الصحافة حتى تحافظ على مكانتها على فرش باعة الجرائد أن تتخلص من نظرتها الحزبية الضيقة وتنطلق إلى آفاق أرحب وقضايا أوسع تهم غالبية المجتمع وليس فقط مجرد نخب سياسية أو ثقافية أو دينية.

 

والأفضل لهذه الصحافة فعلاً أن تتحول إلى شركات مساهمة، وأن تقترب من الصيغة الأوروبية والأمريكية بأن يكون لدينا صحفًا أو قنوات فضائية أو مواقع إلكترونية تتبنى سياسات ليبرالية، وبالتالي تكون مقربة من التيار الليبرالي أو أحزاب بعينها في داخل هذا التيار، أو صحفًا وقنوات تتبنى خطًّا يساريًّا أو تَكُون أكثر تعبيرًا عن حزب يساري بعينه، وكذا صحف أو قنوات إسلامية تكون أكثر تعبيرًا عن حزب أو جماعة بعينها دون أن تكون صادرة عنها أو ممولة منها.

 

أما الإعلام الخاص فقد بدأت أولى تباشيره في مصر بصدور جريدة "النبأ" وكذا "الدستور" في نسختها الأولى بترخيص قبرصي عام 1995م قبل أن تتحول إلى شركة مساهمة منتصف 2005م، وتلاهما صدور عدة صحف خاصة مثل "صوت الأمة" و"الأسبوع" و"الفجر"؛ لتكتمل منظومة الصحافة الخاصة بصدور صحيفتين يوميتين هما "المصري اليوم" و"الشروق"، وقد أسهمت هذه الصحافة الخاصة في إعادة الحيوية والريادة إلى الصحافة المصرية التي شاخت.

 

وفقدت ريادتها في منطقتها العربية مخلية الساحة للصحافة اللبنانية والخليجية، وبالرغم من أن معظم الصحافة الخاصة حاولت أن تكون متوازنة في بداياتها، إلا أنها أصبحت أقرب إلى نموذج الصحافة الغربية القريبة من توجهات سياسية محددة ليبرالية كانت أو يسارية لاحقًا، بل إنها أصبحت تخوض معارك فكرية وسياسية لصالح قوى سياسية بعينها، كما أن تلقِّي بعضها لتمويلات خارجية جعلها أقرب لتبني أجندات الممولين.

 

أما الصحافة القومية فهي الغالبة حتى الآن في السوق الصحفي (10 مؤسسات تم دمج اثنتين منها هما "التعاون" و"دار الشعب" في المؤسسات الأخرى) بعدد إصداراتها وحصص توزيعها وعدد العاملين فيها (حوالي 24 ألف صحفي وموظف حسب الكاتب الصحفي صلاح عيسى الأمين العام المساعد للمجلس الأعلى للصحافة) وضخامة مؤسساتها، ولأسباب متعددة ارتفعت مديونياتها إلى رقم مخيف بلغ 7 مليارات جنيه وهو مرشح للزيادة.

 

تظل معركة التطهير هي الأهم في الوقت الحالي والأيسر في التنفيذ، فمطلب التطهير هو أحد مطالب الثورة الرئيسية، وقد أجرى المجلس العسكري بعض التغييرات لتنفيذ هذا المطلب، لكنها ظلت دون المأمول والممكن حتى الآن، إذ لا يزال يتربع على عرش معظم المؤسسات الصحفية القومية رجال العهد البائد، سواء في موقع رئاسة وعضوية مجالس الإدارات أو رئاسة وعضوية مجالس التحرير، ناهيك عن عدم قدرة هذه الصحف عن تطوير سياساتها التحريرية بما يواكب روح الثورة، ويعكس تغيرات الخريطة السياسية في مصر؛ ولأن بعض الصحفيين (ماركة كل العصور) مستعدون دومًا لتغيير جلدهم وخدمة أي سيد جديد، فقد شهدنا تلونًا سريعًا لبعض كبار المسئولين في هذه المؤسسات القومية حتى يحافظوا على مواقعهم، أو لينالوا ترقية جديدة أيضًا، بينما ظل أصحاب المبدأ والتاريخ النضالي المشرف ضد النظام البائد بعيدًا عن صدارة المشهد حتى الآن، وقد آن الأوان أن يتم الدفع بهؤلاء إلى قيادة تلك المؤسسات حتى يمكنهم بحقٍّ التعبير عن مصر الثورة، بدلاً من الذين يتلونون ويتخبطون ويحاولون ارتداء ثوب الثوار، بينما لا ينسى لهم الشعب نفاقهم ومقالاتهم وحملاتهم التي لم يجف مدادها بعد.

 

من واجب مجلس الشورى بعد أن يكتمل تشكيله وبحكم ما يمتلك من صلاحيات دستورية وقانونية- كونه المالك لهذه الصحف- أن يشرع فورًا في بدء عملية التطهير الكبرى، بتعيين رؤساء وأعضاء مجالس إدارات ورؤساء تحرير جدد ينتمون لثورة 25 يناير قلبًا وقالبًا، تقديرًا لتضحيات الشهداء والمصابين، فقد وفرت الأقدار لهذا المجلس رغم ضآلة اختصاصاته فرصة ذهبية لقيادة التطهير في الصحافة، وهي مهمة ستجعل نواب الشورى ينافسون نواب الشعب في تنفيذ مطالب الثورة.

 

ويرتبط بمعركة التطهير معركة تطوير التشريعات الصحفية لتواكب الثورة أيضًا، والتي كان أحد أضلاع مثلث شعاراتها هو الحرية (عيش- حرية- عدالة اجتماعية)، ولأن كثيرًا من قوانين نظام مبارك سواء قوانين الصحافة أو العديد من القوانين التي ترتبط بالصحافة والمعلومات مليئة بالقيود السالبة للحرية، والمعيقة لحرية تدفق المعلومات، فإن واجب الوقت هو سرعة إصدار تشريعات جديدة للتخلص من كل تلك القيود، وقد بدأت نقابة الصحفيين بالفعل في عقد ورش عمل لصياغة بعض مشروعات القوانين الجديدة والأمل معقود على مجلسي الشعب والشورى لتبني هذه المشروعات وإقرارها، وقبل كل ذلك تحديد وضع الصحافة في الدستور الجديد، ولهذا حديث آخر.

 

الحديث عن إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية والإعلامية القومية سيظل هو القنبلة الموقوتة التي تهدد مَن يقترب منها، ولكنها في كلِّ الأحوال تظل جراحة ضرورية لجسد اعتل كثيرًا، ولم يعد يحتمل المزيد من المسكنات، فالديون تلك المؤسسات تتراوح بين 6-7 مليارات جنيه، والدولة الجديدة أو لنقل السلطة الحاكمة بعد 25 يناير لم تعد بحاجة لمن ينافقها مقابل دعم مالي لا يتوقف ويكلف خزانة الدولة المزيد من الأعباء، ويعرضها للمساءلة من برلمان متحفز دومًا لأي أخطاء.

 

وبالتالي فمن المؤكد أن الدعم الحكومي سيتوقف تمامًا عن هذه المؤسسات، التي أصبح حتمًا عليها أن تبحث عن وسائل تمويل أخرى لتغطية نفقاتها وسداد أقساط ديونها، وحتمًا ستكون الخطوة الأولى هي وقف أي تعيينات جديدة للصحفيين والموظفين إلا في أضيق نطاق، كما ينبغي على هذه المؤسسات وقف الإصدارات الفاشلة التي لا يقرؤها إلا محرروها بينما تكلف ميزانيات تلك المؤسسات مبالغ طائلة، وكانت في وقت من الأوقات مجرد "فشخرة كدابة" وتنافس وهمي بين المؤسسات الحكومية في إصدار أكبر عدد من الإصدارات للحصول على لقب المؤسسة الأكثر إصدارًا للصحف دون حاجة حقيقية لهذه الإصدارات.

 

هناك مقترحات كثيرة لإعادة هيكلة المؤسسات القومية، لكن القدر المشترك بينها هو تحويل هذه المؤسسات إلى شركات قابضة، تدير أمورها بطريقة اقتصادية، وتضم الشركة القابضة الواحدة عدة شركات تابعة في تخصصات مختلفة، ونقطة البداية هو إجراء تعديلات تشريعية تسمح بذلك، وتسمح بتمليك العاملين في تلك المؤسسات من صحفيين وإداريين حصة أغلبية (أكثر من 50%) من الأسهم (تظل حصة الأغلبية مغلقة على العاملين في المؤسسة حيث يبيع المحالون للمعاش حصصهم لعاملين جدد في المؤسسة ذاتها) على أن يتم طرح بقية الأسهم للاكتتاب العام لمن يرغب من المواطنين والمستثمرين، وتقوم الجمعيات العمومية للشركات باختيار مجالس الإدارات التي تختار بدورها رئيس التحرير ومجلس التحرير بناء على برنامج عمل محدد خلال فترة الرئاسة ثم محاسبته على هذا الأداء سنويًّا ليتم مد الخدمة له أو إنهاؤها بناءً على الأداء.

 

وإلى جانب تحويل المؤسسات الصحفية إلى شركات قابضة، ينبغي أيضًا حل المجلس الأعلى للصحافة، وتكوين مجلس وطني للإعلام يتبعه عدة إدارات منها إدارة خاصة بالصحافة المطبوعة والإلكترونية، وأخرى للفضائيات والإذاعات الخاصة تكون مهمتهما منح التراخيص ومتابعة مدى الالتزام بالقانون ومواثيق الشرف، وتلقي شكاوى الجمهور ضد هذه الوسائل الإعلامية والتحقيق فيها، وتوقيع العقوبات اللازمة، والتي تصل إلى سحب الترخيص.

 

وإلى أن تتم إعادة الهيكلة بسلام، ينبغي على الصحافة القومية أن تحقق صفة القومية فعلاً بأن تصبح منبرًا لكل الاتجاهات، وتكون لسان الشعب، وحلقة الوصل بينه وبين حكامه، وساعتها قد تستعيد ثقة الشعب وقروشه أيضًا.