الغربة صفة ملازمة للحق عند نزوله في بداية أمره، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".
والطوبى منزلة في الجنة، والغربة ليست غربة شكل ولا لسان وإنما غربة فكر واعتقاد وسلوكيات، وقد نال الغرباء هذه المنزلة لأنهم يتحملون بسبب غربتهم انتقادات كثيرة قد تصل إلى حربهم وطردهم وتعذيبهم، وأهونها السخرية منهم ومن معتقداتهم وتصرفاتهم.
ولقد مرت أزمنة تقلب الحق فيها بين غريب تارة وظاهر معتاد تارة أخرى، أشرقت شمسه في وقت فصار علمًا له أهله واحترامه وقبوله، وغربت حينًا فعاد غريبًا لمّا استبدله الناس بباطل مخالف لقيمه، وانحرفوا عن قواعده، وعاش الناس في ذلك الباطل دهورًا، وكبرت فيه أجيال وأجيال حتى ألفوا الباطل فصار عاديًّا وصار الحق ودعوته غريبًا فعادوه ولفظوه واتهموه، وهذا ما كان من أمر الدعوة الأولى والأنبياء كلهم في أول أمرهم؛ حيث يصبح الحق الذي أرسله الله للناس بعد فترة من العيش مع الباطل والخرافات غريبًا فيحاربه الناس.
فهؤلاء قوم ثمود يقولون لنبيهم صالح (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) (هود: من الآية 62)، وقال قوم شعيب: (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) (هود: منم الآية 87).
ولقد تعجب فرعون من أهل الحق فقال: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55)) (الشعراء).
وهكذا عند كل نبي؛ حتى قال قوم لوط المنحرفون عن الفطرة الإنسانية قالوا لأهل الإيمان والطهارة والعفة الذين ينادونهم بالفطرة السليمة للحفاظ على النسل واستمرار حياتهم وبقائهم ويعلن لهم الحق فيما يفعلون (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)) (النمل)، وينهاهم عن المنكر (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ) (العنكبوت: من الآية 29)، فماذا قالوا مبرهنين أن الأصل هو الانحراف والمقبول في عصرهم هو الشذوذ عن الفطرة (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)، وماذا قال قوم إبراهيم عليه السلام له (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)) (الأنبياء)، يقصدون الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ولا تملك القدر على الدفاع عن نفسها عندما حطمها إبراهيم عليه السلام في غيبتهم عنها.
وحدث ذلك تمامًا مع نبينا صلى الله عليه وسلم وقد أرسل بعد ستمائة سنة من رفع الله لعيسى إلى السماء، وقد فسدت حياة الناس بلا نبوة، وتحرّف الدين وشاعت الخرافات وعبد الناس النيران والأصنام وبعض الحيوانات، ولما جاءهم الحق الذي هو نفسه ما كان عند الأنبياء السابقين تعجبوا منه واغتربوا عنه، وقالوا (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7)) (ص)، والله تعالى يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاءهم بجديد بعيد عن الحق المعروف وهو توحيد الله والذي جاء به كل الأنبياء السابقين (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)) (الأنبياء)، فما كان غريبًا عليهم إلا لأنهم عاشوا سنوات وخرجت أجيال وهم بعيدون عن الحق ولا يرون إلا الباطل.
ولقد قال صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في حديثه مبشرًا بهذه الوضعية مبينًا أسباب اغتراب الباطل عند كثير من الناس فقال صلى الله عليه وسلم
"إن زمانًا سيأتي لا يرى الناس فيه إلا الباطل، لا يلبث الجور بعدي إلا قليلاً حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء، ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره".
وهذه الغربة يفوز فيها القلة من أهل الحق والثبات عليه مهما كانت المغريات أو التهديدات والوعيد لهم، والصالحون يقولون (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)) (إبراهيم)
وهذا يكسوهم طمأنينة وأملاً في النصر في الآخرة أو في دنياهم ولو بعد حين، والله حكى عن أهل الباطل وسخريتهم من أهل الحق حينما يكون للباطل دولته وأهل الحق فيه قلة: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30)) (المطففين).
وهذا ما قاله ابن القيم رحمه الله: "عليك بطريق الحق ولا تكترث بقلة السالكين ولا يغرنك كثرة الهالكين".
فيشعر الغريب بالحق وبتميزه به، وينشد مفتخرًا بغربته بل يشعر أنه من الأحرار في دنيا العبيد
غرباء ولغير الله لا نحني الجباه غرباء وارتضيناها شعارًا للحياة
إن تسل عنا فإنا لا نبالي بالطغاة نحن جند الله دومًا دربنا درب الأباة
وهذه الغربة عند أهل الحق تجعلهم يرددون ما ردده الشهيد سيد قطب عندما رأى عادات القوم وانحرافهم في حياتهم السياسية والاجتماعية وسيطرت صور الابتداع والخلاعة عليهم، فسماها صور الجاهلية، فانطلق شاعرنا ينشد:
كلما أبصرت خوضات البشر في متاهات تـنوء بالـعبر
كلما عـاينت مبتـدع الصور قلت في عزة من أوعى العبر
لست أرضى الجاهلية
والمؤمن الصادق يلتزم الحق ولو كان وحده وهذا ما فعلته امرأة فرعون وقد كانت وحدها مع كونها امرأة ويعلوها جبار يتأله على الناس بالباطل، فقالت: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)) (التحريم)، وكانت مثلاً لكل من يتحجج بفساد البيئة من حوله وكثرة الباطل ويعطي لنفسه الحق أن يفعل كما يفعل عامة الناس من النفاق ومداهنة أهل الباطل.
ولقد أدبنا النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الوقت حينما يعم البلاء ويستمرئوه الناس فقال: "لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم"، بل إن البعض سار في ركاب الفساد وأحب أهله وصفق لهم ونافقهم وهم كما قال ربنا (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)) (البقرة)، وفعلوا كما فعل السابقون من المنافقين؛ حيث توددوا للفساد ووالوا أهله قائلين ما قال أسلافهم بحجة فاسدة وفضحهم الله: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) (المائدة: من الآية 52).
والعربي في جاهليته كان يقول:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وأن ترشد غزية أرشد
لقد مر هذا الزمن أو كاد يمر بظهور الثورات وانتصار أهل العدل والدين ودعاة الحق والرشاد في البلاد المحررة، وما تليها أن شاء الله، ولقد مر هذا الزمان الذي عاش الحق فيه غريبًا والباطل منتعشًا منتفشًا، ونعيش الآن فترة انتقالية، والفترة الانتقالية هذه يتعجب الناس الذين عاشوا في الباطل وانتفعوا به وألفوه من الحق بل ويحاربونه حربًا شديدة، ويلتف حول الحق أهل العقل والخير الذين كانوا يتشوقون له ويعانون من الفساد ويسخر الناس منهم إذا التزموا بالدين، والذين كانون يعانون من الغربة بثباتهم على الحق وكانوا يضحون بالكثير ولا يجدون لأنفسهم مكانًا بين الناس لكثرة الفساد في كل مكان رجالاً ونساء، وخاصة النساء الملتزمات العفيفات، فكم عانين في ظل الفساد، فلا متعة ولا حرية ولا يأمن أحدهم أن يترك أولاده لمدرسة ولا لإعلام من سينما أو تلفاز أو مجلات لكثرة الضلالات والجهل والإفساد.
وعلينا أن نصبر على هؤلاء حتى يتعودوا الحق شيئًا فشيئًا، ونظهر لهم الجانب الإيجابي من ديننا حتى يحبوه وهذه مسئوليتنا جميعًا، أن نظهر الحق جليًّا بلا خوف ولا خجل حتى يشعر أهل الباطل أنهم قلة وأنهم غرباء، لكن بلا استعلاء ولا ازدراء للغير، بلا صلف وعنجهية وتهور وغرور، ولنتخلق بالحق وآدابه وقبوله للآخرين والحرص على هدايتهم، ولا نجعل للمشاحنة والمباغضة مكانًا لمجرد الاختلاف في الثقافة أو اختلاف الأفهام للقيم والأخلاق، فالصبر الصبر والخلق الخلق، يقول الشيخ الغزالي رحمه الله: "عليك أن تعرض الإسلام عرضًا يغرى بقبوله ويجعل المتابع لك يرتب المقدمات ويستخرج النتائج".
ويتأمل القضايا التي تعرض عليه ولست مطالبًا أن تكسر أدمغة الناس لكي تقنعهم بما أنت عليه، وهذا يوسف عليه السلام في السجن وبين مساجين ورثوا الضلالات وهم محصورون داخلها يقول: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)) (يوسف).
وهذا توجيه الله لنا في الجدال والدعوة والحوار: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24)) (سبأ)، ويمضي السياق (قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)) (سبأ).
إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رافقوا غير المسلمين فأحسنوا إليهم حتى لانت قلوبهم وعقولهم للحق وتفهموه، ونحن نرافق قومنا وأهلنا وأحبابنا وبني جلدتنا وهم أهل دين وإسلام وحق، وليعلم أهل الحق أن الحق لن يقبل إلا بالقدوة والعمل لا بالكلام.
وفي الناس عقل وحكمة ولكنهم كانوا مغيبين إلا من رحم ربك، وليعلموا أن الحق لن يقبل من سفيه قاصر الثقافة غير راشد وغيره مثقف.
إن السفيه لا يؤثر في الناس، خاصة إذا كان الناس أهل عقل وثقافة، وفاقد النظافة لا يمكن أن يدعو إلى النظافة والتطهر، وإن أتباع الهوى وطلاب المنفعة والمرائين والظالمين لأنفسهم بالعجب والخيلاء لا يمكن أن يكونوا فاعلين أمام من أتعب نفسه وكان جنديًّا مجهولاً في خدمة الباطل الذي هو عليه، واعلم أن دموع التائبين أحب إلى الله تعالى من دلال العابدين المعجبين المدلين على الله، (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ(6)) (المدثر).
ولقد عاشت شعوبنا زمانًا لا تعرف إلا (الهلس) والتافه من الأدب والفن إلا ما ندر، وفي شتى الميادين إلا القليل وهو ما سيظل أهله مشكورين في الزمن الماضي وسيبقون هم أهل الحق والجد وسط الفساد والتيه والضلال ويحسب لهم ذلك وهؤلاء قلة.
لقد عاشت الشعوب مع عادات لم تر غيرها بل غيبت عن غيرها وكان جرمًا أن تتشبه بأهل الحق أو تعرفهم وعيبًا أن تتخلق بأخلاق الحق، وإن رفضت الرشوة فأنت عجيب، وإن ابتعد شاب عن الفساد الخلقي من زنا ولهو وعبث قالوا عنه متخلف ورجعي أو مريض نفسي.
وإن رفض الاحتلال أو نادى بالصلاح قالوا عنه إرهابي ومتطرف، تمامًا كما قالوا عن الفدائيين في كل بلد محتل أنهم إرهابيون، ولما انتصر الفدائيون قدموا على أنهم أبطال تاريخيون لبلادهم.
ولقد ألفت مؤلفات وخرجت أفلام ومسلسلات وكلها ساهمت في تشكيل وعي الشعب وصارت من مسلماته وثقافته الفاعلة.
إن الزمن زمن الصالحين إن شاء الله، لكن عليهم أن يتحملوا مسئوليتهم ويقيموا حقهم سلوكًا واضحًا يغري الناس ليلتفوا حوله ويعتنقوا فكرته ويتخلقوا بأخلاقه ويتشوقون لعطاء الله لهم وعزة الدنيا والآخرة.
جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
ولا شك أن قيمًا عالية ومنازل من الأخلاق راقية سيظل أصحابها قلة وغرباء وستظل صور من التضحية والفداء ونكران الذات والعفة والعفاف والزهد وسبق العصر بالأفكار والرؤى والنظريات والصدق والأمانة والوفاء وأمثالها من القيم والنزعات، ستظل حكرًا على الغرباء القلة تتجلى فيهم في أبهى صورها وإن ظهرت متفاوتة عند هؤلاء وهؤلاء.