لماذا رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حمراء الأسد خروج من لم يكن قد خرج معه في معركة أحد، على شدَّة ما أصابه وأصاب أصحابه، وما كانوا فيه من الجراح الشديدة والخوف، وكان رفضه لخروجهم صارمًا وواضحًا، على أنه أذن لجابر بن عبد الله؛ حيث قال: يا رسول الله إني أحب ألا تشهد مشهدًا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته يوم أحد، فائذن لي أن أسير معك، فأذن له؟!!
في غزوة أحد كانت الشورى قد انتهت بالسواد الأعظم من أهل المدينة بتفضيل الخروج من المدينة لملاقاة الكافرين، في مقابل الرأي الآخر الذي كان يرى أن يظل المسلمون بالمدينة يحاربون في الأزقَّة، ويحارب النساء والصبيان من فوق البيوت، وكان على هذا الرأي الأخير عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، بل ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحاب السن والتجربة، غير أنه صلى الله عليه وسلم التزم بالشورى وأمضاها، رغم مخالفتها لرأيه الشريف.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ألف من المسلمين في مقابل ثلاثة آلاف من المشركين. وفي منتصف الطريق ينخذل عنه عبد الله بن أبي بثلث الجيش، يقول: يسمع للأحداث، ويخالف رأيي؟!
انتهت معركة أحد على ما نعلم جميعًا؛ فلما كان المشركون في بعض الطريق تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم، وقال: "لا يخرج معنا إلا من شهد القتال"، فقال له عبد الله بن أبي: "أركب معك" قال: "لا".
فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف، وقالوا: سمعًا وطاعةً، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد.
وقفت أمام هذه اللقطة التاريخية أستجلي المقصد وراء هذا الموقف النبوي الرافض لأن يشارك من خذل المسلمين وقت الحاجة، رغم الحاجة الشديدة إلى النصير، ورغم ما هم فيه من جراحات وآلام من جرَّاء الهزيمة العسكرية الطاحنة في أحد.
لماذا يرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العون الذي يحتاجه حقيقةً؟ إنه الدرس النبوي البليغ:
لا بد أن يتمايز الصف المسلم، لا بد أن يوضع الناس مواضعهم، لا يصح أن يكونا سواء؛ الذي جبن ساعة الحاجة، بل وألَّب على الأمة وخذلها، والذي دفع للرجولة ثمنها ساعة العسرة والضيق.
وأمام هذا المقصد النبوي العظيم حضر إلى ذهني حضورًا لم تفلح في صرفه كل محاولاتي الذهنية والفكرية، علم الله.. حضر موقف أصحاب الفتاوى الحرام الذين كادوا أن يزهقوا الثورة، ووصفوها بأسوأ الأوصاف، وتوالت مناصراتهم المعلنة والموثقة للنظام البائد بالفتاوى الزور.
ويصيبني الغثيان كذلك إذ أرى زلفاهم وتلوّنهم ومحاولاتهم القيام بأدوار ليست هي المنوطة بهم على كل حال، ويصيبني هذا أيضًا من جرَّاء محاولات التبجيل والإكرام لهؤلاء الذين يراد منا، ببساطة، لا مجرد ألا نتألم من طعناتهم الموجعة للحق وللثورة وللأمانة العلمية والشرعية، وأن نمحو ذلك من ذاكرتنا، بل أن نضعهم اليوم في مصافِّ الفضلاء الذين عملوا قبل الثورة المباركة وبعدها عمل الرجال والعلماء، وتعترينا الغصة كلما رأيناهم.
ولقد زاد من عجزي عن صرف هذا الحضور المؤلم لما ذكرت أن شيخ الثورة بل شيخ الثورات العربية المبارك الشيخ القرضاوي كان قد قال بأهمية أن نعرف تاريخ هذه الثورة، والعناصر المؤثرة في نجاحها، والعقبات التي وقفت في طريقها، والذين حاربوها بفتاواهم ومقالاتهم ومناوراتهم، والذين دافعوا عنها.. من المهم أن تتميز لدى جماهير الأمة من ناصر حقها ممن خذلها، فتمييز الصفوف وتجلية الحقائق وإقرار القيم وإقامة الموازين وجلاء السنن للمستبصرين مقاصد لا تقل أهميةً عما ذكرت من مقاصد وغايات.
إن خطر تمييع القيم من جرَّاء هذا الفعل خطرٌ جسيمٌ لا يستهان به في مسيرة الأمم.. لا ينبغي للأيدي الملوثة أن تقترب من الثوب الأبيض الذي يغزل خيوطه المتوضئون والمصلحون والصادقون.