لقد علمتنا تجارب الربيع العربي المثمرة أن الشعارات الجوفاء لا تثني المجرمين عن جرائمهم، ولا تردع الوالغين في الدم حتى النخاع، ولا تجلب مساعدة الغير في عالمنا الذي وضع في أذن طينًا وأخرى عجينًا، فضلاً عن أنها لا تحمي نفسها فكيف تحمي غيرها، ولقد تساءلت مع من تساءلوا غيري عن مخرج لشلال الدم الذي أغرق الوادي حتى خرج عن مساره، وتلمست وسيلة للخلاص.
لقد طالت انتفاضة السوريين وطال معها صمت المجتمع الدولي، المبادرات العالمية لم ترق إلى مستوى الدماء التي لم تتوقف منذ عام، ردود الأفعال العربية ليست على مستوى الحدث، شغلتنا قضايانا ولم نجد مبادرة تضغط في سبيل إيجاد مخرج يحقن الدم المتناثر في أرجاء سوريا.
إن صمود النظام حتى الساعة يعود إلى التواطؤ العالمي على الشعب السوري، إذ إن سوريا مغرم لا مغنم، ولهذا كان التحرك ولا يزال بطيئًا، كل شيء فيه يفسره، وهذا التباطؤ يمنح الديكتاتور الفرصة ليمعن في القتل والتشريد، ولعل موقف روسيا والصين لأنهما خرجا من الكعكة الليبية صفر اليدين، فقد تركوا القذافي يلقى مصيره دون أن يقدما له يد العون لإنقاذه من قبضة شعبه، وهما يحاولان جاهدين أن يفعلا عكس ما فعلا مع القذافي.
لقد نفض السوريون أيديهم من المجتمع الدولي الذي ظل صامتًا عامًّا كاملاً على هذه المجازر الوحشية التي تتنافى مع كل القيم والأعراف على اختلاف الدين والعرق، والجنس، والمتابع للمشهد السوري يجد أن النظام يتهاوى ببطء، ويموت كل يوم، لقد خسر كل معاركه على الأرض، فإسكات صوت بابا عمرو لأنها أصبحت أرضًا محروقة، وقد خرج الناس عنها وتركوها، كما أن النظام لم يستطع السيطرة على إدلب، ولم يستطع إخماد درعا، ولم يتمكن من قمع حمص الأبية، وفشل في أن يغير مسار الثورة، أو أن يرد الناس عن ما قاموا من أجله، وهذا يعني الفشل والهزيمة القريبة.
وتبقى كلمة أقولها للسوريين أنتم قاب قوسين أو أدنى من النصر، إنها معركة عض الأصابع، وإن قدركم أيها السوريون أن تصنعوا ثورتكم بأيديكم معتمدين على الله وحده، واعلموا أنكم قاب قوسين أو أدنى، والليالي القادمة حبلى بالكثير من المفاجآت، إن المقاومة حين تستفرغ الجهد وتبذل الوسع تقول السماء كلمتها، إن النصر يكمن حين يظن الناس أنه قد تأخر، قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)) (يوسف).
إن نصر الله ينزل على الرسل عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله، وفي أحرج الأوقات، إنني ألمح في الأفق البعيد علامات النصر، وأول هذه العلامات هي تخلي قوى الأرض عن نصرة الشعب الأعزل الذي تعمل فيه آلة بشار العسكرية بدم بارد، ولهذا فمخرج المقاومة السورية أن تحمي نفسها بنفسها متمسكة بحبل الله وحده، تستمد منه العون والمدد، ولا عزاء لأمة المليار في إنقاذ شعب أعزل.