إن الأقليات المسلمة التي تعيش بين الغرب لها دور فعال في دعوة الآخرين إلى الإسلام- إذا أحسن توظيفه- فهم رسل الإسلام في الغرب، وهم سفراء غير رسميين للإسلام والمسلمين، فلو أنهم التزموا بتعاليم الإسلام في أنفسهم، وكانوا صورة مشرقة لأخلاق الإسلام وآدابه في معاملتهم مع الآخرين، لدخل الجيران، وزملاء العمل، والأطباء، والمرضى، في الإسلام، دون جهد كبير، أو عناء شديد.

 

وتستطيع الأقليات المسلمة أن تكون مصدر إشعاع حضاري بما تحمله من وثيقة ربانية، وبما تقدمه للناس من علاج للنفوس، وتهذيب للأخلاق، وبما تبثه في قلوب الناس من الإيمان والتوحيد، ودلالة الناس على الله، وتعريفهم به، وذلك إذا قامت بالدور الرئيسي الذي انتدبها الله له، وفضل الأمة بسببه، قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)) (آل عمران).

 

يقول الشيخ محمد الغزالي: (ومن المقطوع به أن جماهير المسلمين المهاجرين- وهم ألوف مؤلفة- يمكن استبقاؤهم على دينهم، بل يمكن جعلهم طلائع لنشره، لو أرادت الأمة الإسلامية ذلك وعملت له).

 

والحياة المعاصرة تكشف عن ضعف هذا الدور بين الجاليات المسلمة في تعريف الناس بالإسلام، وأن من يدخل في الإسلام- غالبًا- إنما تعرف عليه من الكتب والبحوث والمجلات، لا من خلال دعوة المسلمين لغيرهم، يقول الشيخ محمد الغزالي: (والواقع أن من أسلم من رجالات الغرب وسيداته، سبقت لهم الحسنى بما تيسر لهم من بحث واطلاع وجهد خاص.

 

وقد يكون بعضهم عرف الحق عن طريق الدعاة الذين ذكرناهم، وذلك لأن ما تلقاه عنهم كان أرجح وأزكى مما يعرفه شخصيًّا من مواريث قديمة، وكم من متدين مرتاب في مواريثه التي يحمل أثقالها، فإذا بدا له بصيص نور في الإسلام هرع إليه وتخفف مما يؤوده).

 

إن الدور المنوط بالجالية المسلمة ثقيل وكبير، وفي غاية الخطورة والأهمية؛ حيث لا خيار لها في أهمية التمسك بلغتها، ودينها وعباداتها، وإحياء المناسبات الإسلامية والاجتماعية التي تربط الجالية كلها برباط واحد، دون تفرقة أو ضياع أو ذوبان، ثم تنطلق بعد ذلك إلى دعوة الآخرين، يقول الشيخ محمد الغزالي: (وحجر الزاوية في المجتمعات المطلوبة مدارسة علوم اللغة والدين على نحو سائغ، يستبقي رباط الغرباء بتراثهم وتقاليدهم وعباداتهم، فكأنه ما تغير في حياته إلا المكان فقط، وتكون لغة التخاطب في هذه المدارس العربية وجوبًا، وتكون الصلوات الجامعة جزءًا من اليوم المدرسي، لا يتخلف عنه أحد، ثم يجيء بعد ذلك دور المسجد أو النادي، أو أي ملتقى يتم فيه التعارف، وتتقارب فيه الأسر، وتتصافح فيه الوجوه في جو إسلامي مشبع بالإخاء والمحبة).

 

وهناك بعض الميزات العامة في الشعب الأمريكي، يمكن توظيفها في مجال بالدعوة، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن هناك بعض المزايا في الشعب الأمريكي، فالجانب العملي والسلوكي عندهم يزيدهم قناعة بالمبادئ والأفكار عن الجانب النظري، فإذا أحسن المسلمون استغلال هذا الجانب وأمكن توظيفه في مجال الدعوة أتى بثمار طيبة، ومن هذه المميزات ما يأتي:

 

1-  (الأمريكيون شعب شكاك، لذا فإذا أردت أن يصدقوك فعليك أن تفعل أنت ما تقول، وإلا فسوف يحكمون عليك بأنك منافق، بل قد يستنتجون ذلك لأنك مسلم وتأتي أفعالاً سيئة، وأن الإسلام رديء، وواضح أن هذا المنطق خاطئ ولكن تبقى حقيقة أنهم سيفهمون الإسلام من خلال أعمالك، فأعمالك تتحدث بصوت أعلى من الأقوال، لذا عليك أن تسلك سلوك المسلمين).

 

2-  لقد درس الأمريكيون في مرحلة الطفولة أنه من سوء الأدب أن تناقش الدين أو السياسة فإذا كانوا يثيرون الموضوعات، وهم في حالة انفراد، فقد يظنون أنه من فساد الذوق أن تناقش القضية في حضور جمع من الناس، وبعض الأفراد يتحرجون من مناقشة الدين في اجتماع عام، وتوجد طرق أخرى لمناقشة الإسلام في اجتماع عام مع تجنب مثل تلك الإحراجات، فالأفراد راغبون في المعرفة عن حضارتك، إذًا لماذا لا تناقش العناصر الإسلامية في حضارتك، عندما يسألك شخص لماذا ترفض شرب الخمر أو العرق وأكل الخنزير، أو لبس الملابس الفاضحة؟ عليك أن تنتهز الفرصة لتعريفهم ببعض الحقائق عن الإسلام.

 

3-  يدهش الأمريكيون من روح المودة لدى المسلمين، فبعضهم يفسرها بالسذاجة ومع ذلك فسوف يجدون في أدبك وحنانك وأمانتك واهتماماتك أمرًا ممتعًا، وهذا هام جدًّا لأن الأمريكيين يشكون من أن الناس المتدينين مهتمون فقط بأمورهم الروحية، وليس بأنفسهم- بأشخاصهم- فعليك أن تبين لهم أن المسلمين يهتمون بالنفس وبالروح، فالصداقة والسؤال عن صحتهم وعائلاتهم ودرجات تحصيلهم الدراسية والدعوات إلى العشاء والهدايا الصغيرة، أمور مؤثرة جدًّا في العالم المزدحم المادي الذي تعيش فيه أمريكا.

 

4-  (يميل الأمريكيون إلى المثابرة فإذا كان لديك موعد لغرض اجتماعي أو من أجل العمل عليك المحافظة على الموعد، ونادرًا ما يزور الأمريكيون أحدًا دون إخطار مسبق، وحتى الأصدقاء الخلصاء أو الأقارب يتصلون قبل حضورهم للزيارة).

 

وينقسم موقف المثقفين الأمريكيين من الإسلام إلى فريقين: الأول يدعو إلى الصدام، والثاني يدعو إلى الحوار.
والفريق الأول: يتبنى وجهة نظره هذه لأنه يعتقد أن الإسلام يمثل خطرًا عليهم في المستقبل، فيريد أن يجعل الغرب مستيقظًا دائمًا أمام انتشار الإسلام، وهجرة المسلمين، فيحد من هجرة المسلمين، أو يضعهم تحت المراقبة المستمرة، فتكون هناك حواجز مستمرة أمام الإسلام قبل أن يقف على قدميه، وقبل أن يشكل تأثيرًا في الرأي العام العالمي.

 

والفريق الثاني: يرى أن هناك مبالغات شديدة في القول بأن الإسلام والمسلمين ضد الحضارة الغربية، ومن ثم فهذا الفريق يرى أنه ليس هناك خطر على الغرب من الإسلام أو المسلمين، ويجب الحوار معهم من أجل مستقبل الإنسانية، كما أن الإسلاميين الذي وصلوا إلى الحكم في بعض البلاد الإسلامية لهم تعامل مع السياسة الدولية بصورة أفضل من غيرهم، وكذلك الحضارة الإسلامية تعد إضافة مهمة للإنسانية بوجه عام.

 

ويتبين من ذلك أن موقف الأمريكيين من الإسلام قابل للتحسن إذا وجد من المسلمين من يحسن عرض الإسلام، وزادت معرفتهم الصحيحة به.

 

وهذا يعني أن وجهة النظر الأمريكية تجاه الإسلام قابلة للتغيير إذا زاد وعي المواطن الأمريكي بالإسلام، وتعرف عليه معرفة صحيحة، وهذا يتطلب من المسلمين:

1-  معرفة مصادر التشويه التي تصور الإسلام للآخرين بشكل غير صحيح، وأحيانًا تقوم بالهجوم على الإسلام، خاصة عند وقوع بعض الأحداث التي يوجه الاتهام فيها إلى الإسلام قبل التحقيقات.

 

2-  تكثيف دور الدعاة في دعوة غير المسلمين؛ حيث يوضحون في حديثهم صورة الإسلام الحقيقية، والإجابة على الأسئلة التي حيرت الناس في الحياة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وبيان مزايا الإسلام كرسالة خاتمة، بما تحويه من خصائص ليست لغيره من الرسالات.

 

(فليست أمريكا الشمالية في الوقت الحالي مجرد مكان مناسب يعيش فيه المهاجرون المسلمون، ولكنه مكان يوجد فيه إمكانات طيبة للمسلمين وللإسلام، وقد أنعم الله على مجتمع أمريكا الشمالية بحرية الفكر والتعبير التي يضمنها ميثاق يسمى (ميثاق حقوق الإنسان) وتبعًا لذلك فإن المسلمين أحرار في ممارسة شعائر دينهم، في أي مكان يختارونه، وإن الازدهار والسماحة الموجودين هنا يحملان تحديًا خطيرًا لأي مسلم، ولكن- في النهاية- يظل العائق الوحيد لممارسة الإسلام داخل الفرد نفسه).

 

صفات الداعية الذي تحتاجه الأقليات:

ومن الجدير بالذكر أن الجاليات الإسلامية المقيمة في أمريكا تحتاج إلى داعية من طراز خاص، حيث إنها تعيش في بلاد الحرية، فلا يحبون أن يفرض عليهم أي إمام، كما تفعل وزارة الأوقاف في البلاد الإسلامية، بل يريدون أن يختاروا الإمام المناسب بأنفسهم، وذلك بعد مناقشته والاستماع إليه في الخطب والدروس والمحاضرات، فهم يختارون الإمام الذي يعرف بعلو المكانة والمنزلة، حتى يكون أكثر تأثيرًا في الآخرين، وتؤهله صفاته الشخصية وقدراته العلمية لهذه المهمة الصعبة.

 

ويتميز هذا الإمام بقوة الشخصية، والثقة بالنفس، والدقة في التعبير، والذكاء الاجتماعي، والتوازن في معالجة القضايا الشائكة، والثقافة الواسعة، فيجمع بين قوة الشخصية، والتميز العلمي، بهذه الصفات يكون الداعية محل قبول واحترام عند الناس.

 

كما أنهم غالبًا يبحثون عن الداعية فقيه، الذي يجمع بين فقه التزكية والسلوك والأخلاق، وفقه الحياة الأسرية والزوجية، والأحوال الشخصية، والعبادات والمعاملات، وذلك لكثرة المشكلات وتنوعها.

 

-----------------

* أستاذ الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر وجامعة طيبة بالمدينة المنورة.