محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- أكمل العقول الإنسانية على الإطلاق، وقد ضم إلى هذا الكمال الإنساني رسالة وصلته برب الأرض والسماء، عنه يبلغ، ومنه يستمد العون ويستلهم الرشد، وبأمره يسكن ويتحرك، ويسكت ويتكلم، ويسالم ويعادي، ويقدم ويؤخر، ويعطي ويمنع، وبدعوة ربه يصدع، وبحجته يقرع، وبقوته يدافع ويدفع، وبنوره يبصر وبهديه يسمع؛ فهو كما وصفه ربه عز وجل (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4)) (النجم).

 

لقد بلغ- صلى الله عليه وسلم- الذروة من هذه الإنسانية؛ فهو أشرف الناس حسبًا وأكرمهم نسبًا، وأنقاهم عنصرًا، وخيرهم قبيلة، وأعلاهم قدرًا، وأطهرهم قلبًا، وأزكاهم نفسًا، وأحسنهم خلقًا، وأطيبهم سريرة، وأرجحهم عقلاً، وأسدهم رأيًا، وأكثرهم لله ذكرًا، وأشدهم له طاعة، وعليه وتوكلاً، ومنه خشيةً، وإليه توبةً، وإلى حضرته لجوءً، وإلى لقائه شوقًا واستعدادًا.

 

لقد بلغ- صلى الله عليه وسلم- القمة في حراسة العقل بخالقه الذي صنعه على عينه وقال له (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) (الطور: من الآية 48)، ومع بلوغه هذه القمة السامقة في رجاحة العقل وحراسته بالوحي والعناية الإلهية فإنه لم يتسلط يومًا بعقله الكبير الموصول بالسماء على أحد من الناس.

 

إن سيرته تقول إنه لم ينفرد وحده دون أصحابه بتسيير دفة الأمور بعقله الكبير المحروس من الزيغ وقلبه الكبير المبرأ من الهوى، إنه المربي العظيم الذي لم يستغل ما وهبه الله له في إذابة ما حوله من العقول في عقله الكبير، وإنما كان عمله طوال عمره إنارة هذه العقول بوهج من سناه حتى تزداد عظمة وعبقرية وإشعاعًا وتألقًا.

 

كان الصحابة- رضوان الله عليهم- يحبونه أكثر من أنفسهم، ولم تذب شخصياتهم فيه- صلى الله عليه وسلم- نعم كانوا يقتدون به في كل شيء، ويتشبهون به في كل شيء، بل كانوا يتلمسون مواقع أقدامه والمسالك التي سلكها فيسلكونها، ولو لم يكن لهم بها حاجة إلا أن يقع خطوهم على خطوه صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا طُرح أمر ما على بساط الرأي فلا حرج أن يختلف الصحابة مع الرسول ذاته في أدب يليق بجلال النبوة وعظمتها، ويقبل منهم صلى الله عليه وسلم الصواب من الرأي، وينزل عليه نزولاً يليق بتواضع النبوة وعظمتها أيضًا في هذا التواضع الذي لا نظير له؛ فقد نزل النبي صلي الله عليه وسلم على رأي الحباب بن المنذر- رضي الله عنه- مرتين: الأولى في بدر والثانية في خيبر، ونزل على رأي سيدنا سلمان الفارسي- رضي الله عنه- في حفر الخندق، وقال للأنصار في تأبير النخل: "أنتم أعلم بأمور دنياكم".

 

كان الأمر يعرض على بساط الرأي والمناقشة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيختلف أصحابه في ظل الحب الوثيق والرابطة الجامعة، تختلف العقول ولا تتنافر القلوب؛ فهذا أبو بكر الصديق يذهب في أسرى بدر إلى قبول الفداء، ويذهب عمر- رضي الله عنه- مذهبًا آخر فيرى الإثخان أي قتل الأسرى، ويميل الرسول الكريم إلى رأي سيدنا أبي بكر، ثم ينزل القرآن مؤيدًا رأي سيدنا عمر، فلم يعب بعضهم على بعض، ولم يعقب بعضهم على بعض، ولم يحدث أبدًا أن تنافرت القلوب بسبب اختلاف العقول.

 

نعم لقد اختلفت الآراء في إطار الحب والأخوة والثقة، ولم يذب أحدهم في الآخر بل بقيت لكل منهم شخصيته الفريدة، وعقله الحر، ورأيه الذي يعلنه بكل صراحة ووضوح وشجاعة وشفافية، بلا منع ولا حجر ولا تضييق ولا إهمال ولا ازدراء.

 

في مجلس النبوة لا تُكمم الأفواه، ولا يُحجر على العقول، ولا يتسلط أحد على أحد، ولا يستغل أحد مكانته في إسكات متكلم أو مقاطعته أو تسفيه رأيه أو التأثير عليه بالترغيب أو الترهيب تلميحًا أو تصريحًا.

 

تتساقط قطرات المطر الصغيرة، فإذا عرفت طريقها إلى النهر كانت سببًا للحياة والنماء، وإلا تبددت في رمال الصحراء، إن الأفكار على اختلافها إذا صادفت مناخًا مواتيًا ومنظومة تقوم على التجميع والتنسيق والتقريب والتعاون والتكامل فلن يمضي وقت طويل حتى يستحيل الجدب نماءً، والسكون حركة، والموت حياة، ويتدفق تيار الأمل إلى النفوس، فيمد العقول بمدد لا ينقطع من الدوافع والبواعث ومحفزات التفكير ومثيرات الإبداع، ويجد تيار الأفكار والإبداعات طريقه إلى النهر الذي يروي أشجار الحرية، ويحمل سفينة الحضارة عليها راية عظيمة مكتوب في ناحية منها حكمة تقول: لا تبني الحضارة بغير الحرية، ولا تثمر الحرية بغير خلاف يظلله الحب والتعاون، ومكتوب في الناحية الأخرى منها حكمة تقول: "عقول لا يؤبه لها خير من عقل واحد عبقري".