المراكز الإسلامية من أهم المؤسسات الإسلامية في أمريكا، لكثرة انتشارها، وشدة تأثيرها، وفاعلية دورها، فهي تبدأ بالمسجد الذي يقوم بالدور التاريخي في العصر الأول من الإسلام، وهذا قد فرضته طبيعة الظروف المعاصرة التي يعيشها المسلمون في المهجر.

 

وتكتسب المساجد أهميتها- في الشرق والغرب معًا- لأنها بيوت الله- عز وجل- فيلجأ إليها المسلمون جميعًا، ليستنشقوا رحيق الإيمان، وسط حياة مادية، سريعة الإيقاع، كثيرة التقلب.

 

فالمسجد واحة المغترب، ومأوى عابر السبيل، ومركز يتجمع حوله المسلمون، وفي الغالب الأعم إذا أراد أحد المهاجرين أن يختار سكنًا له، فإما أن يكون قريبًا من عمله أو من المسجد، فالدائرة التي تحيط بالمسجد تعد منطقة جذب للسكان من المسلمين، فإذا كان يذهب إلى العمل مرة واحدة في اليوم، أو يحتاج إلى الطعام ثلاث مرات كل يوم، فإنه يتردد على المسجد خمس مرات في اليوم والليلة، ناهيك عن الأنشطة الأخرى التي يقوم بها المسجد في غير أوقات الصلاة، من الدروس والمحاضرات والندوات، وإحياء المناسبات الإسلامية، والتجمع في المناسبات الاجتماعية من زواج وعزاء وغير ذلك، ومن ثم يقوم المسجد بدور هام ورائد في حياة المسلمين المغتربين خارج ديار الإسلام، فهذا هو الدور الأصلي للمسجد، وليس لهم بديل عنه، إذا أرادوا أن يحافظوا على وجودهم وهويتهم الإسلامية.

 

أنشطة المراكز الإسلامية

أنشطة المراكز الإسلامية كثيرة ومتنوعة منها:

(1) إقامة المساجد التي تقام فيها العبادات، مثل الصلوات الخمس، وخطب الجمعة، ودروس العلم الشرعي، وتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم اللغة العربية، والتربية الإسلامية، وأحيانًا تقام فيها صلاة العيدين، كما يبرم فيها عقود الزواج، وجلسات الإصلاح بين المتخاصمين.

 

ومن أعظم الصور التي تلاحظها في المساجد هو تجمع المسلمين تحت رابطة العقيدة والدين، فتراهم وقد اختلفت أشكالهم وألوانهم وأجناسهم وألسنتهم وبلادهم، ووحد الإسلام وساوى بينهم في صورة نادرة، يستحيل أن تجد مثلها في دين آخر، حيث ألغى الحواجز، وأذاب الفوارق، قال تعالى: (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) (الأنفال: من الآية 63).

 

نظرة عامة على تاريخ المساجد وواقعها:

تعتبر الغالبية العظمى من المراكز الإسلامية- بما تشتمل عليه من مساجد وغيرها- من تأسيس الطلاب الوافدين للدراسة في أمريكا، خاصة النسبة الكبرى منها كانت في فترة السبعينيات من القرن العشرين، وغالبًا كانت تبدأ بإيجار شقة أو منزل لأداء الصلوات، وإقامة شعائر الجمعة، وبعد فترة من الزمن تتطور الأمور لشراء منزل أو مدرسة، أو كنيسة تكون جاهزةً لتحويلها إلى مركز إسلامي بأنشطته المختلفة.

 

وهؤلاء الشباب الذين قاموا بتأسيس هذه المساجد جعلوها في أماكن قريبة من الجامعة، وقاموا بإدارتها حتى انتهت مدة دراستهم، ثم تسلم العمل مجموعة أخرى، أو بعض المستوطنين من المسلمين الذين يعيشون في نفس المكان.

 

ومن الجدير بالذكر أن وجود المساجد بالقرب من الجامعات أو في داخلها كانت سببًا في تغيير كثير من الشباب المبعوثين للدراسة، حيث ساهمت في المحافظة على هويتهم الإسلامية، وعدم ذوبانهم في الحياة الغربية، بل إنهم عادوا إلى بلادهم على حالة أفضل من الحالة التي جاءوا عليها.

 

ومن الملاحظ في السنوات العشر الأخيرة من سنة 1994 حتى الآن أن عدد المساجد يتزايد يومًا بعد يوم، وهذا يتناسب مع زيادة عدد المهاجرين من المسلمين، بالإضافة إلى المواليد الجديدة.

 

ففي تقرير نشرته مؤسسة كير: (أن عدد المشاركين بأنشطة المساجد زاد في أكثر من 75% من المساجد الأمريكية خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأن نسبة الزيادة في عدد المساجد زاد من سنة 1994م حتى سنة 2000م بنسبة 25% من عدد المساجد من قبل).

 

ويرجع تاريخ تأسيس المساجد الأولى إلى أوائل القرن العشرين الميلادي ثم بدأت تزيد مع زيادة نسبة عدد المسلمين: (سنوات تأسيس المساجد يتراوح بين عام 1925م- وعام 2000م وتم تأسيس 2% فقط من هذه المساجد قبل عام 1950م كما أن 50% من المساجد أسست قبل عام 1980م وتم تأسيس النصف الآخر بعد هذا العام، كما تم تأسيس معظم المساجد الموجودة حاليًا 87% منها منذ 1970م).

 

والمساجد في أمريكا تلتزم باتباع منهج القرآن الكريم والسنة النبوية، وأقوال السلف الصالح، واجتهادات العلماء السابقين والمعاصرين، والغالبية العظمى منهم تأخذ من المذاهب الإسلامية كلها، وقلة قليلة هي التي تتقيد بمذهب معين، بحكم البلد التي جاءت الجالية منه، وفي الغالب أن كل مسجد له برنامج منظم في الدروس والمحاضرات والأنشطة الشبابية والاجتماعية، وكل مسجد يستشعر هدفه ورسالته بوضوح وجلاء.

 

وتقام الصلوات الخمس في جميع المساجد على الغالب والأعم، وأكثر الصلوات التي يتجمع فيها المسلمون المغرب، والعشاء، والجمعة.

 

وتتسع المساجد ليوجد بها مصلى للسيدات، إما في ساحة المسجد، خلف ساتر بين الجنسين، أو في حجرة مستقلة متصلة بالمسجد، وهناك قلة من المساجد تصلي النساء بها في آخر المسجد دون فاصل أو ستار، وأغلب رواد المساجد من الشباب الجامعي، وبعضهم من الوافدين الجدد، وبعضهم من معتنقي الإسلام حديثًا.(ومعظم المساجد تعاني قلة الموظفين حيث إن 55% من المساجد لا يعمل بها موظفون نظاميون، كما أن 10% فقط يعمل بها موظفان مدفوعا الأجر، وفي معظم المساجد لا تقع سلطة اتخاذ القرار بيد إمام المسجد، وإنما بيد مجلس إدارة المسجد).

 

وهناك عدد كبير من المراكز لها إمام متفرغ، متخصص في العلوم الشرعية، ومؤهل لهذا العمل بدراسته السابقة، وهو يتقاضى راتبه عن طريق التبرعات التي تجمع في خطبة الجمعة، والاشتراكات الشهرية، والتعهدات السنوية، وهذا الأمر لا يجعل الإمام يشعر بالحرية التامة، أو الاستقلالية الكاملة في أداء عمله وواجبه، كما أن ("البورد" وهم القائمون على المسجد إداريًّا) يتدخلون في عمل الإمام بصورة مستمرة، وقد يجد الإمام نفسه مجبرًا على قبول ذلك الوضع، وإلا سوف يفقد وظيفته بين عشية أو ضحاها.

 

وتعتبر التبرعات هي المصدر الرئيسي والوحيد للإنفاق على المراكز الإسلامية وأنشطتها المختلفة، حيث لا توجد هيئة أوقاف إسلامية يمكن أن تقوم بدعم المراكز ماليًّا، وغالبًا يقوم السكان المسلمون في المنطقة بالنصيب الأكبر من التبرعات، والباقي- أحيانًا- يكون من المراكز الإسلامية في الولايات المجاورة.

 

وتعد اللغة الإنجليزية هي لغة الخطاب المشترك بين الجميع، وذلك تبعًا للغة الدولة التي يعيش فيها المسلمون (أمريكا) كما أنها تعد إحدى اللغات الأساسية في خطبة الجمعة، فهناك من يخطب باللغة الإنجليزية، باستثناء الآيات والأحاديث، وهناك بعض المساجد تكون الخطبة باللغة العربية، ويوجد ترجمة فورية، أو ترجمة بعد الخطبة إلى اللغة الإنجليزية، وفي عدد قليل من المساجد توجد خطبة الجمعة بلغة الجالية المنتشرة حول المسجد، مثل التركية والصومالية وغير ذلك.

 

ومن إيجابيات المساجد في أمريكا أنها تساهم في إخراج القيادات الفعالة التي تقود العمل الإسلامي في المراكز الإسلامية والمجتمع الأمريكي.

 

فالمساجد تحتاج إلى إدارات لتنظيم العمل وتنميته وتطويره، وهذا يوجد بيئة جيدة لمن يجد نفسه أهلاً لذلك، حيث ينتخبه رواد المسجد للقيام بهذا الدور التطوعي، ومن ثم تظهر القيادات الموهوبة التي يكون المسجد سببًا في إبرازها وظهورها لقيادة الجالية، وحاجة المسلمين إلى وجودها في الإشراف على العمل وتقدمه.

 

(2) إنشاء المدارس

والمدارس الإسلامية متنوعة:

(أ) إما مدرسة متكاملة تدرس العلوم المدنية، مضافًا إليها اللغة العربية، والتربية الإسلامية، وتسمى مدارس خاصة، وهذه قليلة الانتشار؛ لأن أغلبها يقوم على مصروفات عالية، فلا يرسل أولاده إلا الأثرياء فقط، أما أبناء الفقراء فلا حظ لهم فيها.

 

(ب) ومنها نوع آخر يسمى (charter) وهي مفتوحة لكل من يريد الالتحاق بها من الأغنياء والفقراء، وتنفق عليها الدولة، فتعطى رواتب المدرسين، والدراسة مجانية للأولاد جميعًا، وتقوم بتدريس العلوم المدنية، مضافًا إليها اللغة العربية، كلغة ثانية للدارسين مثلاً، وهذه المدارس قليلة الانتشار أيضًا، وتدرس فيها التربية الإسلامية بعد نهاية اليوم الدراسي.

 

(ج) وهناك نوع ثالث يعد من أكثر المدارس انتشارًا في أمريكا (وهي مدرسة نهاية الأسبوع السبت والأحد) حيث تقوم فقط بتحفيظ القرآن الكريم، وتدرس التربية الإسلامية، وتعليم اللغة العربية، وهذا النوع لا يكاد يخلو منه مسجد من المساجد كلها، لسهول تطبيقها، ويسر تكاليفها، وهي تعد مكملة للمدارس الحكومية، حيث يذهب الأولاد إلى المدارس الحكومية خمسة أيام للعلوم المدنية، ويقضي يومًا أو يومين في مدرسة نهاية الأسبوع، يأخذ جرعة من القرآن الكريم، والتربية الإسلامية، واللغة العربية.

 

(3) من أعمال المراكز الإسلامية

(أ) بعض المراكز لها برامج جيدة في مساعدة المسلمين الجدد، خاصة المهاجرين منهم بسبب الاضطهاد الديني، وقد تتمثل هذه البرامج في مساعدتهم في إيجاد سكن مناسب، وتوفير متطلبات المعيشة، وفي قضاء المصالح الرئيسية التي يحتاجون إليها، وتعريفهم بالقوانين العامة التي تحكم المدينة، وتقديم المساعدات المالية للمحتاجين، وإمداد الفقراء بالطعام والكساء، ومواساة المنكوبين ماليًّا وأدبيًّا، ولا يكاد يخلو مسجد من القيام ببعض هذه الأنشطة أو كلها، حسب قوة الجالية اقتصاديًّا واجتماعيًّا.

 

(ب) وهناك بعض المراكز الإسلامية- وهي قليلة جدًّا- يوجد بها أماكن ترفيهية للأسرة والأولاد، مثل ممارسة أنواع معينة من الألعاب الرياضية، أو ملاهي للأطفال، أو غرفة فيديو لعرض أفلام الكرتون للأطفال.

 

فالمركز الناجح هو الذي يحتوي على جميع الأنشطة التي تخدم الأسرة كلها رجالاً، ونساءً، وشبابًا، وأطفالاً لتستوعب كل الطاقات، ويقوم بتوظيفها في المحافظة على الأسرة من الذوبان، أو الانكماش.

 

(ج) ومن أعمال المراكز الإسلامية أيضًا الاتصال بوسائل الإعلام المختلفة، والمؤسسات السياسية، لتوضيح موقف الإسلام من القضايا الهامة على الساحة، وقد تعطي بعض هذه المؤسسات الإعلامية مساحة من الوقت للمسلمين في التلفاز للتعريف بالإسلام، ولتصحيح المفاهيم المغلوطة، أو دفع الشبهات التي تثار حول الإسلام من حين لآخر، وقد حقق المسلمون في ذلك نجاحًا كبيرًا في بعض الولايات، حيث قاموا بتقديم الإسلام إلى الآخرين في صورة صحيحة سهلة ميسرة، يسهل فهمه وتطبيقه في الحياة.

 

(د) وتقوم الجالية المسلمة بدور جيد مع المرضى المسلمين في المستشفيات، حيث تقوم بزيارتهم، وتقديم بعض الهدايا لهم، وتعريفهم بمواقيت الصلاة، واتجاه القبلة، وتوعيتهم في تحري الحلال في المطعم والمشرب، وحضهم على الصبر أمام هذا الابتلاء، مما يدفع عنهم مرارة الغربة ووحشة السفر، ويخفف عنهم آلام المرض.

 

(هـ) ومن الأنشطة الهامة للمراكز الإسلامية والتي لها ثمرة فعالة في مجال الدعوة الإسلامية زيارة الكنائس، وعرض الإسلام بصورة ميسرة، وإقامة جسر من الحوار بين الطرفين، بقصد المعايشة السلمية، وأحيانًا ترسل الكنائس والمدارس والجامعات وفدًا منها لزيارة المراكز الإسلامية، وقد يستمعون إلى عرض مبسط لرسالة الإسلام، من أحد الدعاة المتخصصين في هذا الجانب، وقد أثمرت كثير من هذه الزيارات في دخول بعض الناس في الإسلام أو على الأقل ساهمت في تصحيح مفاهيم بعضهم الخاطئة، وأزالت الشبهات من عقول كثير منهم.

 

(و) وكذلك أيضًا زيارة السجون، وقد ثبت أن تعاليم الإسلام تحد من انتشار الجريمة وممارستها لكل من يعتنق الإسلام، ومن الجدير بالذكر أن المسلمين يجرون حوارًا مع المسئولين لتوفير الاحتياجات اللازمة للمسلمين في السجون، مثل الطعام الذي يخلو من لحوم وشحوم الخنزير، وكذلك تمكينهم من إقامة شعائر صلاة الجمعة، وتعديل مواعيد وجبات الطعام في شهر رمضان لتتناسب مع وقت الإفطار والسحور، وقد ثبت أن أكثر الناس ميلاً للمسالمة، وإقبالاً على العمل والنشاط، وحسن الخلق، هم السجناء المسلمون.

 

وقد لاحظ المسئولون أيضًا أن الذي يعتنق الإسلام من المسجونين لا يعود إلى الجريمة مرة ثانية، وهذا يزيدهم قناعتهم بأن الإسلام له أثر إيجابي كبير في تحويل الناس نحو البناء والإصلاح.

 

إن الدور الرئيسي للمراكز الإسلامية إنما هو التوجيه والإرشاد والتربية والتعليم، والمحافظة على الهوية الإسلامية من الضياع وكذا المحافظة على الشخصية الإسلامية من الذوبان، وهذا كله لا يتم إلا باستخدام كل الوسائل والأساليب المشروعة والمتاحة والممكنة في تحقيق هذه الأهداف الرئيسة، حتى يكتب لها النجاح، مع التحلي بالصبر والمصابرة والتخطيط للمستقبل، والعمل الدائم والمستمر.

------------------------------------

* أستاذ الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر وجامعة طيبة بالمدينة المنورة