* لو أنفق الإنسان المسلم ما في الأرض من ذهب وفضة شكرًا لله على نعمة الانتماء لهذا الدين- دين الإسلام- لما كان ذلك كافيًا، غير أن هذا الانتماء ليس مجرد شعار يُرفع ولا كلمة تقال، بل ولا حتى نص في الدستور، إنما الانتماء الصحيح يعني تطبيق الإسلام بمعناه العام والشامل، بحيث تغدو الحياة مهتدية في كل شعابها بهدي الدين، جارية على مقتضى تعاليمه في السيرة الفردية، وفي سائر أنواع التعامل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقانوني والإنساني والكوني، وكما لا يستطيع الإنسان أن يعيش دون ماء فإنه أيضًا لا يمكنه أن يحيا دون شريعة، وليس ذلك بعجيب، فكلمة الشريعة في أصلها اللغوي تعني مورد الماء الذي هو أساس الحياة.
* والمصريون منشغلون في هذه الأيام بسباق الرئاسة، وهي نازلة جعلت الحليم في الخاصة والنخبة الإسلامية حيران، فكيف بغير الحلماء ممن اكتوى بنار الظلم والطغيان والفساد في العهود القريبة البائدة حتى كاد عقله يطيش، وقد انقسم الناس شبانًا وشيبًا رجالاً ونساء عامة وخاصة على مَن يقع اختيارهم.
* في هدا الخضم الهائج المائج تتجلى أهمية تحكيم مقاصد الشريعة بحكم أنها تنظر إلى ما وراء الظواهر والنصوص من الأهداف والغايات، لعلنا نرى بها شعاعًا من نور يفرق- لا بين الحق والباطل، إذ ليس ثمة فيما نحن بصدده حق وباطل- ولكن يفرق بين ما هو حق وما هو أحق، فإن لم نصب الهدف اقتربنا منه، وكما جاء في الأثر: "سددوا وقاربوا"، ولا يتسع المقام لأن أسوق النصوص الشرعية الدالة على اعتبار المقاصد عند النظر والاستدلال والتطبيق والتنزيل، فنحن نقرأ على وجه الاستحباب كل جمعة سورة الكهف، وفيها من نبأ موسى مع العبد الصالح ما يكفي للتدليل على ما أريد، ولا أعني بالمقاصد هنا النيات، إنما أعني بها الأهداف والغايات والحكم والمصالح، وقد عرَّف العلماء مقاصد الشريعة بأنها الأهداف والغايات التي أرادها الله من أوامره ونواهيه لتحقيق عبوديته وإصلاح العباد في المعاش والمعاد.
* والاهتمام بفقه المقاصد يعني بوجه من الوجوه التخفيف من الالتزام بالظواهر والنصوص وتفسيرات السابقين- التي قد يأنس بها الشباب- والنظر إلى ما وراءها من الحكم والمصالح والأهداف والغايات، وهو عمل كبير ذو طابع جذري يحتاج إلى الفهم والخبرة بالواقع المعاش، وهذه النقطة بالذات تفسر لنا لماذا دبَّ الخلاف بين الشباب والشيوخ في كبريات الأحزاب والحركات الإسلامية.
* وتتكون منظومة المقاصد من حلقات يأخذ بعضها بعناق بعض أهمها:
أولاً- فقه التدرج:
فالتدرج سنة من سنن الله في خلقه وشرعه، كما هو من سننه في كونه، ألم يخلق الله السموات والأرض في ستة أيام؟ ونحن لا ندري إلى وقتنا هذا كم كان عدد ساعات تلك الأيام الست، إذ لم يكن حينها ليل أو نهار، غير أن في هذا تنبيهًا لنا على تلك السنة، والتدرج في التطبيق مبدأ إسلامي أصيل، له حكم جليلة وفوائد عظيمة، إذ يجمع بين الواقع والمثالية، ولا يستعجل أصحابه الأمور قبل أوانها، بل يسيرون بالقافلة على قدر ما تطيق، فلا يكون التغيير بإلغاء فوري لواقع تراكم على مدار عقود طويلة، شبَّ عليه الصغير وهرم عليه الكبير، بل يكون بالانطلاق من ذلك الواقع، إبقاءً على ما فيه من خير، ورفعًا لما فيه من الفساد رفعًا تدريجيًّا، ولا يعني التدرج الدخول في سنوات التيه- هربًا من التطبيق أو التفافًا على الهدف الأساسي والغاية الرئيسة- وإنما يستلزم وجود خطة ورؤية واضحة تزحف رويدًا رويدًا نحو الهدف والغاية، وتتخذ الوسيلة المناسبة والتدابير اللازمة لكل مرحلة.
ولم ينس الحكماء أن يضعوا للتدرج أمدًا ينتهي إليه حين قالوا: مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، وحتى لا يتركوا الأمر عائمًا لم يقولوا المشوار الطويل يبدأ بخطوة، إذ يختلف تقدير الطول من واحد لآخر، والتدرج كما يراعى في المنهج والخطة والجوهر يراعى أيضًا في المظهر والملحظ والملفظ؛ ليكون للغير نصيب لا يمس الثوابت والأصول.
ثانيًا- فقه المآلات:
أو ما يُعرف حديثًا بفقه التوقع، وهو أصل ثابت شرعًا وعقلاً بأدلة كثيرة، ويقصد به تقدير عواقب الفعل، أو الحكم على المقدمات قياسًا على عواقبها، فلا يكون النظر سطحيًّا تحكمه اللحظة الراهنة دون تصور إلى ما ستئول إليه الأمور في نهاية المطاف، فالشيء قد يكون مشروعًا ولكن يمنع باعتبار مآله، وقد يكون غير مشروع ويترخص فيه باعتبار مآله.
ولم ينس الحكماء أن يتحفونا بمقولة تُقرب المعنى إذ يقولون: من ضحك أخيرًا ضحك كثيرًا، وقد جر إهمال هذا الفقه على الأمة على مدار عمر الدعوة شرًّا كثيرًا.
ثالثًا- فقه الأولويات:
فالقيم والأخلاق والأعمال والتكاليف متفاوتة في نظر الشرع تفاوتًا بليغًا، إذ ليست كلها في مرتبة واحدة، والعاقل الحصيف هو الذي يقتلع جذور الأخطر فالأخطر من الخبائث، ويقيم صرح الأهم فالأهم من الفضائل، وليس بين الحكماء خلاف على أولوية حماية الدماء والأموال والأعراض، والاهتمام بهذا النوع من الفقه يضبط حركة المجتمع ويرشد التخطيط والتفكير بما يضمن وقاية المجتمع من الجنوح إفراطًا أو تفريطًا.
رابعًا- فقه الموازنات:
وهو أساس كبير في واقع الحياة خصوصًا في الحياة السياسية، إذ تقوم كلها على مراعاته، ويقصد به تغليب جانب على جانب، ويعتمد على الموازنة بين المصالح أو المنافع أو الخيرات المشروعة بعضها على بعض، فتقدم المصلحة المتيقنة والكبيرة ومصلحة الجماعة ومصلحة الكثرة والمصلحة الدائمة والجوهرية، ولا يعقل تفويت وإهدار مصلحة متيقنة تحصل لجمهرة كبيرة من الناس من أجل تحقيق فائدة مظنونة.
كما يقارن هذا الفقه بين المفاسد أو المضار أو الشرور الممنوعة بعضها وبعض، فيقدم الاهتمام بالمفاسد التي تعطل الضروريات على المفاسد التي تعطل ما هو أقل من الضروريات، فيرتكب أخف المفسدتين، ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
كما يوازن بين المصالح والمفاسد أو الخيرات والشرور إذا تصادمت وتعارض بعضها ببعض، فيقدم الأغلب والأكثر ويوضع في الحسبان أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
* إننا إذا استصحبنا الأنواع السابقة من الفقه- والتي تمثل في مجموعها منظومة المقاصد الشرعية- عند إجراء المقارنة بين المرشحين المحتملين، ربما قادتنا ولو على سبيل الظن الراجح إلى تحديد دائرة المرشحين الذين يُرجى من وراء اختيار أحدهم تحقيق أكبر قدر ممكن من مصالح الدولة وصيانة حقوقها وحرياتها العامة بأقل قدر ممكن من الخسائر.
* وتظهر أوجه الموازنة والمقارنة في مسألة اختيار الرئيس من أوجه منها:
هل نختار مَن يحمل فكرة تطبيق الشريعة قلبًا وقالبًا، ويصارح في ذلك دون أدنى مواربة باعتبار أن هذه هي الفرصة الذهبية لأسلمة الحياة بطولها وعرضها، والتمكين لشعائر الهدي الظاهر دون ترخص، وخطوة أولى نحو الخلافة الرشيدة، ولا عبرة في هذه الحالة بعدو ماكر في الداخل والخارج يتربص بنا الدوائر، وما قد يفتحه على الأمة من أبواب الشرور والتي لا يعلم مداها إلا الله، كما لا عبرة بصداع في جسد المشروع يسببه العلمانيون والليبراليون ومَن هم على شاكلتهم، فرصيدهم من الشارع صفر.
أم نختار مرشحًا ظاهره الاستقامة، يحمل الفكرة في قلبه أو حتى على الأقل لا يعارضها، ينشغل بتحقيق الضروريات اليومية للمواطن المصري، وهذه الضروريات كفيلة بأن تستغرق أمدًا بعيدًا، يتمكن الإسلاميون فيه من محاصرة الشرور واحتلال مواقع أكثر، وإنشاء تكتلات شعبية تحميها من عدو يمكر بها الليل والنهار، إضافة إلى أن الرئاسة وسيلة وطريق مفضية إلى تمكين أكثر وأوسع لأصحاب المشروع الإسلامي، وليست مقصدًا في حد ذاته على الأقل في هذه الفترة.
وعلينا أن نغض الطرف عن بعض التجاوزات التي يمكن أن تغتفر مراعاة لما أشرنا إليه، كما أن دفع الفتنة والاستقرار بجميع أشكاله أحد المقاصد الشرعية، وحتى لا نقع تحت طائلة القاعدة الفقهية التي تنص على أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، إضافة إلى أن أعداء المشروع الإسلامي لا يرسمون في الهواء ولا يبنون فوق موج البحر، فلو شغلناهم معنا بالعمل العام لتحقيق الضروريات لكان في ذلك دفعًا لشرهم واستهلاكًا إيجابيًّا لطاقتهم واستمالة لقلوبهم، وعلينا أن لا ننسى أن الزمن جزء من العلاج.
النقاط السابقة محاولة لتحريك همم واستنفار عزائم المخلصين- وبالأخص الشباب- للنظر في المسألة وتدبر أبعادها وعواقبها من وجهة نظر مقاصدية.
* وإذا قلت لي: طيب يا أبو العريف عرِّفْنَا مَن ستختار، قلت لك أعد قراءة المقال مرة أخرى، فلربما اهتديت إلى من سأسقطه مباشرة من حسابي، ليس عن كره أو بغض- لا سمح الله- بل على حرقة في قلبي ولوعة في صدري على عدم اختياره، ولسان حالي يقول عنه: والله إنك لمن أحب الناس إلي، ولولا أن واقع قومي أكرهني على عدم اختيارك لاخترتك، ولكنها طبيعة المرحلة، والأمر في اختيار غيره واسع، ولست في ذلك وحدي فكثير ممن أعرفهم متفقون على استبعاد مرشحي اللون الأسود، بقية التلف الطالح من فلول العهد البائد.
كما أنهم متفقون أيضًا على استبعاد الذين يقولون إنهم مرشحو اللون الأبيض ناصع البياض، فكلاهما من وجهة نظري ونظرهم غير صالح لمرحلة الانسلاخ التي يمر بها واقع المجتمعات، تمامًا كما يمر بها كل يوم واقع السنن الكونية، مرحلة الانسلاخ التي أشار إليها العليم الحكيم في قوله: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37)) (يس)، وقديمًا قال الحكماء: إنك لا تستطيع نقل أهل مدينة إلى مدينة أخرى ولكن تستطيع أن تُعبّد لهم الطريق.
* وفي النهاية لا أجد ما ألخص به ما سبق أبلغ من كلمات اقتبستها من سيد قطب صاحب الظلال، يقول رحمه الله: "لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، وينشيء مجتمعًا، ويقيم نظامًا، والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع.
والنفس البشرية لا تتحول تحولاً كاملاً شاملاً بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد، إنما تتأثر يومًا بعد يوم بطرف من هذا المنهج، وتتدرج في مراقيه رويدًا رويدًا، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئًا فشيئًا، فلا تجفل- يعني تنفر- منه كما تجفل لو قُدِّم لها ضخمًا ثقيلاً عسيرًا.
وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح في اليوم التالي أكثر استعدادًا للانتفاع بالوجبة التالية، وأشد قابلية لها والتذاذا بها".أ.هـ كلامه رحمه الله، ونسأل الله أن يولي من يصلح.
------------------------
* باحث في مقاصد الشريعة الإسلامية