من الطبيعي أن تمثل وفاة البابا شنودة صدمةً كبيرةً للإخوة المسيحيين؛ ذلك أن الرجل بتركيبته الخاصة شخصية قد لا تتكرر؛ فقد جمع الزعامة من أطرافها: روحية وسياسية واجتماعية؛ فهو الراهب والكاهن والسياسي والضابط والصحفي والشاعر والأديب.. إلخ.

 

أصبح البابا ومعه الكنيسة هو الممثل الشرعي الوحيد للأقباط أمام الدولة، وأصبحت الكنيسة في عهده هي الملاذ لكل مسيحي يشعر بمظلمة في حياته الخاصة والعامة وفي عمله وحتى في تجارته، كان هذا الموقف مرفوضًا من بعض الرموز المدنية المسيحية التي كانت- ولا تزال- ترى أن الكنيسة هي الملاذ الروحي وليس الحزب السياسي للأقباط، وأن مشكلات الأقباط ينبغي عرضها في إطار وطني لا طائفي أو كنسي، وأن من يقوم بعرضها هم السياسيون وقادة الرأي الأقباط عبر المنابر المدنية من أحزاب وجمعيات ونقابات واتحادات... إلخ.

 

لكن هذا الصوت المدني القبطي ظل ضعيفًا في مواجهة صوت قوي للبابا والكنيسة، حافظ على وحدة الصف القبطي خلف قيادته الدينية.

 

في أيام الثورة حدث تحول مهم في موقف الشباب القبطي المثقف؛ حيث شارك الكثيرون منهم في فعاليات الثورة وائتلافاتها، ضاربين عرض الحائط بموقف الكنيسة المؤيد لنظام مبارك، والأمر ذاته حدث بالنسبة لشيوخ أزهريين زينوا الميدان بأزيائهم الأزهرية، ضاربين أيضًا عرض الحائط بموقف المؤسسة الأزهرية الرسمية؛ الذي ظل داعمًا لنظام مبارك حتى آخر يوم.

 

أضْفت مشاركة الشباب القبطي في الثورة إلى جانب بقية التيارات السياسية والشبابية نكهةً وطنيةً عليها؛ باعتبارها ثورة كل المصريين على خلاف الصورة التي أراد نظام مبارك أن يصدرها للداخل والخارج بأنها من صنع الإخوان فقط، وقد رد الشباب المسلم التحية لأقرانهم الأقباط في الميدان بتخصيص أكبر منصاته التي أشرف عليها شباب الإخوان لإقامة قدَّاسات عامة في ميدان التحرير لأول مرة في التاريخ القبطي كله.

 

نجحت دعاية نظام مبارك على مدى ثلاثين عامًا في تعميق مخاوف الأقباط من الإسلاميين، وخصوصًا الإخوان، وظلت هذه المخاوف قائمةً بعض الوقت بعد الثورة، لكن الأمور أخذت منحى جديدًا بعد برقية التهنئة التي أرسلها المرشد العام الدكتور محمد بديع للبابا شنودة بعد عودته من رحلة علاجية في أمريكا منتصف مارس من العام الماضي، والتي رد عليها البابا باتصال هاتفي عرض خلاله المرشد العام فتح حوار مع الكنيسة حول كل القضايا التي تثير هواجس المسيحيين، لكن هذه الدعوة ظلت تراوح مكانها على المستوى الكنسي الرسمي.

 

وللتاريخ فقد قمت برفقة الأخ الصحفي عبد الله الطحاوي بزيارة للأنبا موسى أسقف الشباب، والذي ربطتنا به علاقة ود وصداقة على مدى السنوات الماضية؛ لبحث سبل تفعيل مبادرة المرشد العام للحوار، وقد لمسنا موقفًا مرحبًا من الأنبا موسى، لكنه طلب مهلةً لعرض الأمر على قيادة الكنيسة، وبعد عدة أيام أبلغني أن الوقت غير مناسب.

 

في تلك الأثناء كانت مبادرات شبابية للحوار قد انطلقت بالفعل دون انتظار لإذن في عدة مناطق، منها القناطر ومدينة نصر والزاوية والشرابية، وقد عُقدت بعض الجلسات الحوارية الشبابية في مقر الإخوان القديم في المنيل، ثم انتقلت إلى المقر الجديد في المقطم بحضور الدكتور عصام العريان قبل أن ينتقل إلى موقعه الحزبي، وقد حضرت جانبًا من هذه الجلسات التي شارك فيها من الجانب القبطي أيضًا النائب المعيَّن في مجلس الشعب جورج مسيحه، وتوِّجت هذه الجلسات بلقاء شبابي مع المرشد العام، ولقاء آخر مع نائب المرشد المهندس خيرت الشاطر، ثم عُقدت جلسة أخرى للحوار الإخواني القبطي- غير الشبابي- بمقر نقابة الصحفيين بإشراف الدكتور رضا فهمي رئيس لجنة الشئون العربية والدفاع والأمن القومي في مجلس الشورى وبحضور شخصيات مسيحية كبيرة.

 

وبينما كانت الحوارات تتواصل على الأرض كانت الاتصالات لا تزال مستمرةً بين رأسي الإخوان والكنيسة، وتعزَّزت العلاقة بمشاركة المرشد العام والبابا شنودة جنبًا إلى جنب مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب يوم 11 يناير للتصديق على وثيقة الأزهر، وبلغت العلاقة أرفع درجاتها بزيارة المرشد العام ونائبه لمقر الكاتدرائية ولقائه بالبابا شنودة يوم 7 مارس الماضي، وهو اللقاء الذي سعت أطراف مسيحية علمانية لعرقلة حدوثه، ونجحت في تأخيره إلى ذلك الوقت، وقد فتح ذلك اللقاء الباب واسعًا أمام الحوار، وأزال الكثير من الهواجس والشكوك، والمرتجى أن يكمل خليفة البابا هذا الحوار دعمًا لأواصر المحبة والبر بين المسلمين والمسيحيين، وصونًا للوطن وأمنه من المتربصين.

 

لا قلق على مستقبل العلاقة بين عنصري الأمة خلال الفترة المقبل، بل إنني أزعم أنها ستشهد تحسنًا كبيرًا، والفضل يعود- بعد الله- للثورة التي امتزجت فيها دماء المسلمين بالمسيحيين حتى وصلنا إلى هذه الحرية الواسعة، التي أزاحت كابوس السلطة الغاشمة لنظام مبارك، وفضحت مؤامرات النظام المخلوع ضد الوحدة الوطنية حفاظًا على كرسي الحكم، وعلى إتمام مشروع التوريث.

 

الآن أصبح المسلمون والمسيحيون اكثر انفتاحًا على بعضهم، وأكثر تفهمًا لمشكلات بعضهم، وأكثر قبولاً بحلول عملية لم يكن المناخ القديم يسمح بها، ومنها بناء الكنائس بما يلبي الاحتياجات الفعلية للمسيحيين، وعدم التمييز في الوظائف العامة على أساس الدين، كما أن روحًا جديدةً تسري الآن بين الأقباط للاندماج في العمل العام عبر الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية والائتلافات الشبابية، وهذا ما يمنحهم فرصةً أكبر للتعبير عن همومهم وتطلعاتهم عبر هذه المنابر، وسيجدون لهم أنصارًا من المسلمين.

 

أخيرًا.. من الضروري أن تضمَّ لجنة إعداد الدستور شخصيات قبطية ممثلة للطوائف المسيحية الرئيسية حتى يشعر الأقباط أنهم شركاء في صياغة دستور ومستقبل وطنهم، ولا يشعروا باغتراب داخل هذا الوطن العزيز علينا جميعًا.