كان مشهدًا مفرحًا ومبهجًا أن نجد المئات من الشباب والفتيات والرجال والنساء يتوافدون على حزب الحرية والعدالة للانضمام إليه، والمشاركة في العمل الخدمي والمجتمعي عن رغبة مفعومة بالحماس، ومدعومة بالأمل والنظر للمستقبل، وكانت مشاهد الجمعيات العمومية للأعضاء رسالة قوية منهم أننا على استعدادٍ للعمل، ولدينا طاقات ومهارات ومواهب نريد أن نُفعِّلها في خدمةِ هذا الوطن.

 

وبالفعل حدثت حالة من الانفتاح على المجتمع غير مسبوقة، وتزايدت الأعمال وتشعبت في اتجاهاتٍ عدة، وارتفع منحنى الوجود وسط الشارع بأعمال تتنوع بين الخدمات والتوعية وإحياء المناسبات.

 

إلا إنني أرى أنه من الممكن أن تتزايد هذه الأعمال أضعافًا مضاعفة، وأن يقفز منحنى العمل قفزات متسارعة، لو أمكننا أن نزيد من تفعيل الأعضاء المنتمين للحزب، ونشعل حماستهم، ونجعلهم أكثر قدرةً على تخصيص جزءٍ معقولٍ من أوقاتهم للعمل مع اللجان المختلفة، ودفعهم بصورة أكبر نحو التوازن بين مشاغل الحياة والإسهام في العمل التطوعي، وأن يكونوا أكثر قدرةً على التعامل مع اللقاءات الإدارية وفهم طبيعة العمل الجماعي، وإفراغ طاقاتهم بصورة تكتشف مواهبهم، وتحقق ذاتهم، وتزيد علاقتهم بالله سبحانه وتعالى.

 

لقد اتجهنا للخارج بقوة، ولقد أتى هذا العمل تأثيره الجيد بحمد لله، وسيزيد هذا التأثير بإذن الله لو اتجهنا إلى الداخل بنفس القوة، وزاد اهتمامنا بالقوة الأساسية التي قدَّمت نفسها إلينا محبة متطوعة راغبة متحمسة.

 

إن تحقيق الأهداف وإتمام الأعمال وتنفيذ الخطط يتطلب رفع نوعية الأفراد، بالإضافةِ إلى عددهم، يحتاج إلى رفع الكفاءة وزيادة القدرة، كفاءة تعتمد على قدرات ذاتية، وعلى مهارات إدارية وقيادية، وعلى سمات نفسية، وقيم فكرية وثقافية، وسلوكيات شخصية.

 

نحن نحتاج إلى أشخاص لديهم منظومة قيم تقترب من منظومة القيم التي يعمل على أساسها الإخوان، فهي منظومة قادرة على العمل بكفاءة بأقل قدرٍ ممكنٍ من المشكلات، وباقترابنا من هذه المنظومة سنضيق الفارق بين منظومة قيم جماعة الإخوان، ومنظومة قيم أفرزها المجتمع تختلف نوعًا ما مع منظومة القيم الأولى، بما يحقق قدر أكبر من الانسجام والنجاح في العمل.

 

من هنا جاءت فكرة أننا يجب أن نلتفت إلى الذخيرة التي بين أيدينا، الأعضاء الذين انهالوا علينا يريدون العمل، وعلى استعداد أن يبذلوا الجهد في سبيل تنفيذ أفكار انتخبنا الشعب على أساسها، وأراد أن يحولها إلى واقع عملي.

 

إننا نحتاج إلى مشروعٍ فعلي لتفعيل الأعضاء، والوصول بهم إلى درجةٍ من الفعالية في الأداء، قادرة على تحقيق أعلى درجةٍ من النجاح بأقل قدرٍ ممكن من المشكلات.

 

مجموعات أربع

قبل بدء مشروع التفعيل سنحاول أن نجتهد أن نُصنف الأسباب التي تدفع الراغبين للانضمام للحزب، والتي من الممكن أن تصنف إلى أربع مجموعات:

1- المجموعة الأولى يمكن أن يطلق عليها (المجموعة الفاعلة)، وهي مجموعة لديها الحماس والرغبة في العمل التطوعي، تريد أن تعمل وتبذل رغبةً في خدمة الناس من ناحية ورغبةً في تحقيق ذاتها وتفريع طاقاتها من ناحية، قسم من هذه المجموعة لديه مهارات وقدرات تمكنه من الأداء بفاعلية، وجزء آخر ضعيف المهارات لكن لديه الحماس والرغبة في العمل.

 

هذه المجموعة بقسميها، يميزها أنها تتحدث وتسأل، وتشعر بالحديث معهم أن يحملون الهم، يريدون أن يروا إنجازًا، ويأملون أن تتجه الأمور نحو الأفضل.

 

2- المجموعة الثانية مجموعة (تحت الطلب)، وهي مجموعة تريد أن تعمل، لكنها لا تظهر على الساحة نتيجة لطبائعها الشخصية، فهي مجموعة تريد أن تعمل، ولكنها تنتظر من ينادي عليها ويعطيها جرعات حماسية لتشغيلها.

 

3- المجموعة الثالثة: هي المجموعة الساكنة، وهذه المجموعة توقف طموحها عند حمل كارنيه الحزب، والمشاركة في أعمال عامة من بعيد.

 

4- المجموعة الرابعة هي (المجموعة النفعية)، وهي مجموعة تتجه نحو الطرف الأقوى دائمًا، بغض النظر عن مبادئه، رغبةً منهم في تحقيق مكاسب شخصية، حتى وإن كانت معنوية تتصل بالوجاهة الاجتماعية.

 

خطوات تفعيل الأعضاء

تبدأ خطة التفعيل بمقابلة مع الأعضاء، وإجراء حوارٍ معهم حول الأسباب التي دفعتهم للانضمام للحزب، وما المهارات التي يجيدونها وفي أي مجال، وما الأنشطة التي يرغبون في الانضمام إليها داخل الحزب، مع طلب تقديم (سيرة ذاتية خاصة بهم) ثم دعوته للانضمام لبرنامج تفعيل الأعضاء.

 

ويقوم برنامج تفعيل الأعضاء على محاور ثلاثة:

المحور الأول: التأهيل التربوي

ينبغي وبشدة من أن أجل أن تتواصل لجنة التربية وتمارس نشاطها التربوي مع أعضاء الحزب، فأي عملٍ مهما كان، سواء كان عملاً حياتيًّا أو دعويًّا، لا يمكن أن ينفصل عن مجموعةٍ من القيم التي توجهه وتدفعه، سواء كانت هذه القيم سلبية أو إيجابية، والعمل المجتمعي يحتاج إلى منظومة قيم قوية تتصل بتزكية النفس وأخلاق التواضع والصبر وآداب الحوار ونبذ التعصب، وتغليب المصلحة العامة على رأي الشخص، نحتاج إلى قيم التضحية وإنكار الذات وتفضيل الآخرين على النفس ولم الشمل ونبذ الفرقة، والموازنة بين تحقيق الذات وعدم التكالب على المناصب، وحل إشكالية أن يكون هناك حماس وطموح دون وضع الوصول للمنصب كهدفٍ أسمى، بما يشعل الصراعات الداخلية، والتي تتميز جماعة الإخوان بفضل الله، أنها سلمت منها طوال تاريخها.

 

نحتاج إلى برنامج تربوي (مخصص) لمجموعةٍ ناشئةٍ اندمجت في العمل الاجتماعي بقفزة واحدة ومن أول خطوة، ونريد لها أن تسير في مسار يحقق لها ولنا النجاح.

 

المحور الثاني: التأهيل المهاري (الفني)

تقوم كل لجنة داخل الحزب على خطة تتكون من أهداف ووسائل حسب جدول تشغيل، وتنفيذ هذه الأعمال يتطلب أن يقوم عليه أفراد ذوو مهارات تتناسب وطبيعة المهمة التي سيقومون بها، والذي يحدث أنه من المكن أن يبدأ الفرد بالتطوع في لجنة معينة، ثم يظهر مع الوقت ضعف مهاراته الفنية اللازمة لتنفيذ هذه الأعمال فتبدأ سلسلة من الأخطاء التي يعقبها انتقادات فإحباطات ثم تراجع عن العمل ثم انسحاب، وهي أمور بتطورها تتحول إلى أزمات داخلية صعبة؛ ولذلك أرى أن نتبع في خطة تفعيل المهارات الآتي:

 

1- تكوين قاعدة بيانات عن المهارات الفعلية الموجودة في الأفراد، ثم الاتجاه في العمل حسب التخصص قدر الإمكان.

2- التدريب الفني للمهارات المطلوبة للعمل المستهدف، عن طريق الدخول في دورات تدريبية منظمة من الحزب إن أمكن، فإذا تعذَّر يمكن التوجيه للتدريب الذاتي عن طريق القراءة، ومشاهدات دورات على الإنترنت، ونقل الخبرات الداخلية بين الأعضاء.

 

المحور الثالث: التأهيل الإداري

إذا كانت طبيعة الأعمال أن تتم عبر مجموعات عمل، فلا بد من أن يكون هناك ثقافة إدارية عبارة عن عدة قواعد يتفق عليها الجميع، هذه القواعد ستكون عبارة عن قواعد محددة لتنظيم المناقشات داخل اللجان وطرق اتخاذ القرار ووسائل التقييم، وفلسفة التعاون ضمن إطار جماعي يضمن تقدم العمل لا عرقلته ويخفف حدة المشكلات وتحويل المشكلات إلى فرص للإنجاز لا وسيلة لعرقلة العمل، بما يضمن المحافظة على العلاقات الشخصية الذي يضمن استمرار التفاهم والتعاون، وأن يتم ذلك دون حجرٍ للآراء ودون حساسية من انتقاد الأخطاء.

 

إن توافر الجهد والحماس والمهارات الفنية دون أن يذوب كل هذا في عملٍ جماعي له قواعد متفق عليها، سينتهي به في النهاية إلى تفتت الجهود وضعف الحماس وتقطيع الأوصال وفشل الأعمال.

 

ملاحظات:

1- دخول الأعضاء في مشروع التأهيل يعني تقييمهم عن طريق درجات محددة تتصل بحضور الأعمال وحضور الدورات التدريبية واجتيازها ثم فعالية الأداء ودرجة نجاحه في اللقاءات الإدارية وتنفيذ الأعمال وعدد ساعات العمل الفعلية، ومن الممكن أن يرسل تقرير كل شهر للأعضاء عبر البريد الإلكتروني لرصد التقييم مع ذكر توصيات تحقق درجة أداء أفضل.

 

2- قد لا يتنبه المسئول إلى أن مهمته الأساسية ليست في إنجاز الأعمال فقط، ولكن في انجاز الأعمال عبر مجموعة العمل التي تحتاج إلى مَن يوظفها ويشعرها بذاتها ويفرغ طاقتها في عمل مفيدٍ يشعرها بقدرتها على الإنجاز.

 

3- خطأ جسيم أن نهمل الشخصيات النشيطة بعدم إسناد الأعمال إليها، حتى ولو أنجزنا أعمالنا بكفاءة، فتصرف كهذا معناه أنك تفرط في رأس مال بشري، ومشروعات قيادة في المستقبل، ينبغي أن نتعامل مع هذه الشخصيات باهتمام كافٍ، حتى لو تطلَّب الأمر أن نخترع لهم وظائف تفعلهم وتستثمر مهاراتهم ونشاطاتهم.

 

4- هناك فارق بين طبيعة العمل داخل جماعة الإخوان وطبيعة العمل مع مجموعات العمل داخل الحزب، هناك اختلاف في القيم والسلوكيات والأفكار؛ لذا من الطبيعي ألا تمر الأمور بنفس السلاسة التي تتم بها داخل الجماعة، ستحدث مشكلات علينا أن نواجهها بالصبر والتحمل واستيعاب من حولنا.

 

هذه المرحلة مرحلة صبر وتحمل أذى والعمل تحت ضغط وإنفاق في سبيل الله، فلنتزود بطاقة إيمانية تعيننا على الاستمرار والتحمل، إنه نوعٌ من الجهاد نسأل الله تعالى من أجله العون والثبات، ونرجوه أن يتقبله منا بأن يهدينا الطريق.. (والذين جاهدوا فينا لنهدنيهم سبلنا).

 

وأخيرًا.. فإني أرجو من كل مَن لديه أفكار خاصة بمشروع تأهيل أعضاء الحزب أن يرسلها على هذه الصفحة أو على البريد الإلكتروني:

ahmedsalah146@yahoo.com.