هذه رسالة تخيلية.. تخيلت فيها الإمام الشهيد حسن البنا يخاطب الإخوان من أبناء الحاضر في هذه الأيام العصيبة التي تمر بها مصر، وهي رسالة حقيقية، إذ إنها مقتطفات من رسائله إلى الإخوان في زمانه (بتصرف بسيط).. والتي ما زالت رغم مرِّ السنين تنطق بالحق، وتجلي الحقيقة، وتوضح الطريق، والآن مع كلمات الرسالة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الشباب الظامئ للمجد التليد.. إلى الأمة الحيرى على مفترق الطرق.. إلى ورثه الدم القاني الذي سطر على هام الزمان آيات الفخار.. إلى كل مؤمن يؤمن بالسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة.. نقدم رسالة الماضي القوي الملتهب.. إلى الحاضر الفتي المضطرب.. وعده الحاضر الثائر.. للمستقبل الزاهر (1)

 

* أيها الإخوان:

أردت بهذه الكلمات أن أضع فكرتكم أمام أنظاركم.. فلعل ساعات عصيبة تنتظرنا يحال بيني وبينكم إلى حين.. فلا أستطيع أن أتحدث معكم أو أكتب إليكم.. فأوصيكم أن تتدبروا هذه الكلمات.. وأن تحفظوها إن استطعتم.. وأن تجتمعوا عليها.. وأن تحت كل كلمةٍ معانٍ جمَّة..(2)

 

* أيها الإخوان:

أنتم لستم جمعية خيرية.. ولا حزبًا سياسيًّا.. ولا هيئة موضعية الأغراض محدودة المقاصد.. ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييها بالقرآن.. ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله.. وصوت داو يعلو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.. ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحملون هذا العبء بعد أن تخلى عنه الناس.. إذا قيل لكم إلام تدعون.. فقولوا: ندعو إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.. والحكومة جزء منه.. والحرية فريضة من فرائضه.. فإن قيل لكم هذه سياسة فقولوا: هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام..(3)

 

وأحب أن تعلموا أيها الأحباب.. أن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من أحاطها من كل الجوانب.. ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته.. (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ 24) (التوبة) (4).

 

* أيها الإخوان:

إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقق الآمال ومناصره المبادئ.. تحتاج منكم إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف.. ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا عذر.. وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل.. ومعرفة بالمبدأ، وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساوقة عليه.. والخديعة بغيره. (5).

 

إن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا.. وتنهض لمهمة كمهمتنا.. عليها أن تعد أنفسها لكفاح طويل عنيف بين الحق والباطل.. وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين.. وأن تعلم أن الجهاد من الجهد.. والجهد هو التعب والعناء.. وليس مع الجهاد راحة حتى يضع النضال أوزاره.. وعند الصباح يحمد القوم السري.. (6)

 

* أيها الإخوان:

إن انتسابكم إلى الله تبارك وتعالى.. يفرض عليكم أن تقدروا المهمة التي ألقاها على عاتقكم وتنشطوا للعمل لها والتضحية في سبيلها.. فهل أنتم فاعلون.. (7)

 

إنكم تبتغون وجه الله وتحصيل مثوبته ورضوانه وذلك مكفول لكم ما دمتم مخلصين.. ولم يكلفكم الله نتائج الأعمال.. ولكن كلفكم صدق التوجه وحسن الاستعداد.. ونحن بعد ذلك إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين.. وإما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين.. (8).

 

لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المؤمنين.. وحقائق اليوم أحلام الأمس.. وأحلام اليوم حقائق الغد.. وما زالت عناصر السلام قوية عظيمه في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد.. (9).

 

* أيها الإخوان:

إن الزمان يتمخض الآن عن كثير من الحوادث الجسام.. وإن الفرص سانحة للأعمال العظيمة.. وإن العالم ينظر دعوتكم دعوة الهداية والفوز والسلام لتخلصه مما هو فيه من آلام.. وإن الدور عليكم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب.. وتلك الأيام تداول بين الناس.. وترجون من الله ما لا ترجون.. فاستعدوا واعملوا اليوم فقد تعجزون عن العمل غدًا.. وليس مع الجهاد راحة.. (10).

 

* أيها الإخوان:

آمنوا بالله و اعتزوا بمعرفته والاعتماد عليه.. فلا تخافوا غيره.. ولا ترهبوا سواه.. وأدوا فرائضه واجتنبوا نواهيه.. وتخلقوا بالفضائل وتمسكوا بالكمالات.. وكونوا أقوياء بأخلاقكم.. أعزاء بما وهب الله لكم من عزة المؤمنين وكرامة الأتقياء الصالحين.. واقبلوا على القرآن تتدارسونه.. وعلى السيرة المطهرة تتذكرونها.. وكونوا عمليين لا جدليين.. فإذا هدى الله قومًا ألهمهم العمل.. وما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل.. وتحابوا فيما بينكم.. واحرصوا كل الحرص على رابطتكم فهي سر قوتكم وعماد نجاحكم.. واثبتوا حتى يحكم الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين.. واسمعوا وأطيعوا لقادتكم في العسر واليسر والمنشط والمكره.. فهي رمز قوتكم وحلقة الاتصال فيما بينكم.. وترقبوا بعد ذلك نصر الله وتأمينه والفرصة آتية لا ريب فيها.. (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ 4 بِنَصْرِ اللَّهِ) (الروم) (11).

 

* أيها الإخوة الفضلاء:

إنها الساعات الفاصلة في تاريخكم.. ففكروا وقرروا واعملوا.. واثبتوا.. واصبروا.. وصابروا.. ورابطوا.. واتقوا الله لعلكم تفلحون..(12).

والله أكبر ولله الحمد

(الفقير إلى الله: حسن البنا)

--------------

الحواشي:

(1) إلى الشباب.

(2) بين الأمس واليوم.

(3) المصدر السابق.

(4) دعوتنا.

(5) إلى أي شيء ندعو الناس.

(6) هل نحن قوم عمليون.

(7) إلى أي شيء ندعو الناس.

(8) المؤتمر الخامس.

(9) المصدر السابق.

(10) المصدر السابق.

(11) بين الأمس واليوم.

(12) في اجتماع رؤساء المناطق.