دراسات وقضايا
د. عطية فياض يكتب: وأقيموا الشهادة لله
الأحد 3 يونيو 2012 12:03 م
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وبعد..
تقتضي طبائع الأمور أنه عند الأزمات واشتداد المخاطر وخاصةً إذا كانت الأزمة أزمة وطن وأمة؛ فهنا يجب أن يتكاتف الجميع ويتناسوا خلافاتهم ومذاهبهم للقيام بالواجب الذي يحقق سلامة هذا الوطن ويحافظ على سفينته من الغرق والهلاك، وإذا كان هذا هو المنطق وطبائع الأمور فإن الشرع قبل كل ذلك يوجب ويحتم على الجميع القيام بمسئولياته الشرعية والوطنية قياما بحق الله تعالى، وأداء لحق الوطن، ونصرة لهذا الشعب الذي تعصف به الفتن والشبهات من جوانب كثيرة.
إن مصر في هذا الوقت العصيب الذي يتحدد فيه مستقبلها تنادي أبناءها الذين قاموا بأعظم ثورة أبهرت العالم كله وألهمت المستضعفين في أماكن كثيرة ولا تزال؛ تناديهم وهي الأم التي أعطت لأبنائها كل شيء ولم تبخل عليهم بشيء، تناديهم بواجب البر والإحسان، وترك العقوق والهجران، تناديهم أن يتعالوا ويترفعوا على خلافاتهم ومذاهبهم، خاصة أن هناك من يريد الإجهاز عليها ويريد لها عودة إلى ما كانت تعاني منه من قبل من الفساد والاستبداد والظلم والطغيان، إلى ما كانت تعاني منه من مهانة وتراجع لدورها ومكانتها بين أقرانها وما كانت في يوم من أيامها السابقة تحتل مرتبة متقدمة إلا في قوائم الفقر والتهميش والمرض والفساد، والانبطاح أمام أعدائها، وهدر ثرواتها ونحو ذلك مما هو معروف.
إن واجب الأبناء البررة في مثل هذه الظروف ألا يسمعوا ولا ينصتوا لدعاوى التخذيل والتيئيس التي يرددها البعض، مثل مقاطعة الانتخابات، أو حرق الصوت الانتخابي، وأعظم مما تقدم أن يقال إن مصر لا يمكن أن تحكم إلا بشخص مستبد فهذا الشعب صفته كذا وكذا، ومن ثم نحتاج إلى فرعون وليس إلى موسى، وهناك من يبالغ في قدرات أنصار النظام البائد وجماعات المصالح المرتبطة به، والمؤسسات الإعلامية والمالية، والأموال التي ينفقونها لاسترداد ما فقدوه، هذا كله إضافة إلى السيل الهائل من التشويه والتضليل والتزييف.
ونقول:
أولاً: إننا مسئولون شرعا إضافة إلى حق الوطن علينا عن أداء واجب الشهادة في هذه الانتخابات، ولا يجوز شرعًا التقصير في أداء هذا الواجب، قال تعالى (وأقيموا الشهادة لله) وقال تعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) وقال تعالى (ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين) وقال تعالى (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) ومن صفات المؤمنين (والذين هم بشهاداتهم قائمون) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم) وأيضًا (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط)، والصيغة هنا صيغة مبالغة وهي تفيد التكثير بمعنى القيام بواجب الشهادة بالحق في جميع المواطن التي تطلب فيها وليس في بعضها.
والشهادة المطلوب القيام بها ليست فقط في مجال الخصومات والنزاعات أمام المحاكم فهي إحدى صورها لكن أعظم صورة لها هي مما نحن بصدده؛ لأنه إذا كان الأثر المترتب على ترك الشهادة في المحاكم ضياع حق أو إفلات مجرم من عقوبة فإن الأثر المترتب على ترك الشهادة في الانتخابات ضياع الوطن والأمة وإسناد الأمر إلى غير أهله وفي ذلك فتنة وفساد كبير.
ومما يوجب أداء الشهادة في الانتخابات أنها السبيل لدفع ثلة المفسدين من العودة مرةً أخرى للفساد والإفساد، ومدافعة هؤلاء واجبة، وسبيل المدافعة في هذا الوقت هو الصندوق الانتخابي ومن ثم يتعين القيام بذلك تطبيقا للقاعدة الشرعية "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
ثانيًا: يجب أن تكون الشهادة لله تعالى كما نصت الآيات لا مجاملةً لأحد، ولا خوفًا منه، ولا من أجل كسب مادي فيما يعرف بالرشوة الانتخابية، والشهادة لله تقتضي أن يراعي صالح الوطن والأمة لا صالح الشخص، فالناخب هنا يتولَّى أعظم مسئولية وهي اختيار حاكم الأمة وراعيها؛ فهل مثل هذا الشرف والمكانة يباع ببضعة جنيهات أو بعض المواد التموينية أو الحرص على تقلد وظيفة ما.. إن من يفعل ذلك فإنه كما أخرج الحاكم وغيره "من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله"، وفي رواية "من قلد رجلاً عملاً على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين" وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "من ولى من أمر المسلمين شيئا فولى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين".
إن الذي يتقاضى مبلغًا من المال مقابل أن يعطي صوته لهذا المرشح أو غيره إنما يأكل حرامًا وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى، وهو شاهد زور وقد توعد الله شاهد الزور وعد النبي صلى الله عليه وسلم شهادة الزور بأنها من أكبر الكبائر قال تعالى (واجتنبوا قول الزور) وقال تعالى في صفات عباد الرحمن (والذين لا يشهدون الزور) وفي الصحيح عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ- ثَلَاثًا- قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّه، ِوَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ".
وإضافةً إلى كل ما تقدم فإن من يأخذ تلك الرشوة في هذا المقام يغيب عنه أنه يهلك نفسه ووطنه بهذا التصرف ففعله هذا يؤدي إلى أن يتقلد المسئولية من لا يستحقها ومن لا يمكنه القيام بها ومن لا يكون أمينًا عليها، ومن ثم فإن فرحة المواطن بمائة أو أكثر من الجنيهات مقابل صوته تضيع ويتحسر صاحبها عندما لا يجد العلاج في المستشفيات، ولا يجد وظيفةً لولده، ولا يشعر بالأمن والأمان، وتفشو المحسوبية والمحاباة، وتكثر الأمراض؛ وذلك كله بسبب أن من تقلد المسئولية لا يعمل لمصلحة هذا الشعب الذي اشترى صوته ومن ثم فلا قيمة له. وفي الأمثال الشعبية عندما يفاخر شخص بنفسه ويحتقر غيره يقول له: أنا أشتريك بفلوسي؛ أي لا قيمة لك عندي وهو الحاصل في الانتخابات التي كانت تتم في النظام البائد حيث كان يحرص النظام على شراء الأصوات ويفوز بالانتخابات وبعدها يركل الشعب المسكين بحذائه، ولا نريد لشعبنا بعد أن ذاق طعم الحرية أن يقع في مثل هذا السلوك المشين.
ثالثًا: إن الاختيار يجب أن يكون للأصلح القادر على القيام بمسئوليات الوطن ورعاية حرماته، ولا يُمكن لفاسد أو مستبد أو ظالم أو مرتشٍ أو ممن امتلأت بطونهم من الحرام أن يكونوا هم الأصلح، والله سبحانه وتعالى الحكيم العليم قضى بذلك في قرآنه فقال تعالى (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) وقال تعالى (إنه لا يفلح الظالمون) وقال تعالى (إنه لا يفلح المجرمون) وقال تعالى (وقد خاب من حمل ظلما) وقال تعالى (وقد خاب من افترى) أفبعد كلام الله تعالى الخبير العليم يتكلم البعض عن الكاريزما وعن بياض الوجه، وسواد الشعر، وعن مفتول العضلات الذي يمكنه أن يصرع هذا الشعب ويكتم أنفاسه، فما قيمة كل ما تقدم إذا كان صاحب هذه الكاريزما فاسدًا، أو غاشًّا، أو مستبدًّا، أو لا يعرف لله حرمة ولا يخشى بأسه، ولا يعرف إنه إذا مات وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وأن من يلي أمر عشرة وليس ثمانين مليونًا يأتي يوم القيامة مكبلاً لا يفكه إلا العدل، فإذا كان صاحب هذه الكاريزما ممن لا يقيمون وزنًا لهذه الأحكام إن لم يستخف بها ويعتبرها من ضروب الرجعية أيكون ذلك الصالح المصلح رجل المرحلة الذي يعبر بسفينة الوطن إلى شاطئ الأمان؟!!
ففضلاً عما في هذا الادِّعاء من الاستخفاف، فإن الواقع يدحض كل ذلك فقد عشنا سنين عجافًا تحت إمرة من كانوا يقولون لدينا دكتوراه في العناد، وأصحاب خبرات كبيرة في الإدارة والسياسة والكاريزما وغيرها فما الذي جنيناه منهم؟!
إننا ندعو شعبنا الواعي ألا يسمح لأحد بأن يستخفه، ولا يسمح لأحد أن يصفه بأنه الشعب القاصر المتمرد الذي يحتاج إلى عصا غليظة وإلى من يسوقه كما تشيع بعض وسائل الإعلام التي لا يشغلها شيء سوى التزييف والتضليل والتشويه.
إن ثقتنا في هذا الشعب كبيرة، فهو شعب وَفِيٌّ دَيِّن كريم الطبع والسجايا، أكبر من أن يقع فريسة لمثل هذا الإعلام المضلل، يعرف أنه في حاجة إلى رجل منه لا يتعالى عليه، ويكون مثل هذا الرجل أجيرًا عند هذا الشعب وليس فرعونًا عليه.
إننا على يقين بأن الله سبحانه وتعالى منجز وعده لا محالة، وكما هزم الأحزاب في الخندق مع قلة عدد وضعف عدة للمؤمنين سيخذل هؤلاء المفسدين الذي يتربصون بالوطن الدوائر، وفق الله شعبنا لحسن الاختيار وحرس هذا الوطن من كيد الأشرار والفجار.. إنه سبحانه الواحد القهار.
-----------
* أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر.