لم تكن انتخابات الرئاسية المصرية في إثارتها وغموضها وحجم الدراما التي سيطر على أجزاء واسعة منها، حدثًا غريبًا على المصريين فقط، بل حدثًا غريبًا على العالم كله، جعل منها بالفعل تجربة مصرية خالصة، أدهشت الجميع وأجبرتهم على التفكير والتأمل والترقب للحظة الأخيرة، لقد كانت تجربة من الصعب أن تتكرر مرة أخرى، وهي تحمل معها كل هذه التفاصيل المدهشة.

 

كانت الانتخابات الرئاسية تجربة فريدة بحق...

 

شهران من العمل والصراع والتحدي والرجاء والأمل والخوف والقلق والصبر والشك ومعانٍ أخرى كثيرة، جعلت من تلك الفترة ملحمة حقيقية تسجل في تاريخ كل من شارك فيها، وطريقًا مضيئًا لكل مصري يرى فيها بلاده لأول مرة عروسًا تزف في حفل الديمقراطية.

 

وكما كانت فترة الانتخابات الرئاسية فترة مزدحمة بالأفكار والرؤى السياسية والمنازلات الفكرية، وكما كانت فترة حيرة للمصريين في اتخاذ قرار صعب يترتب عليه مستقبلهم ومستقبل أولادهم ومستقبل وطن ينظر إليه العالم بشغف واهتمام، فإنها كانت فترة مليئة بالعبر والدروس التي لو وضعنا يدنا عليها، كانت عونًا لنا في طريق البناء والإصلاح.

 

لقد كانت فترة مثيرة للملاحظة والتأمل، لو أدركنا ما بها، لوجدنا أمام أعيننا العديد من الرسائل القيمة، بعضها من السماء وبعضها من الأرض، وكلاهما نعمة من الله، يريد الله لنا بها أن يهدينا طريقنا ويصحح مسارنا.تعالوا نستعرض معًا بعض دروس ملحمة الانتخابات التاريخية.

 

دروس من الانتخابات الرئاسية

1- ظهرت بصورة مبهرة قوة العمل الجماعي، وقدرته على تحقيق إنجاز غير عادي وغير مسبوق، ربما في أي انتخابات حرة على مستوى العالم، في التغلب على المشكلات التي واجهت المرشح الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، من ضيق الوقت، وعدم معرفة المصريين بالدكتور مرسي، وحجم الشائعات الهائل الذي كان يواجه به هو والجماعة، إلا أن قوة العمل الجماعي بما فيه من تناغم وتناسق وإصرار وتخطيط جيد وثقة بالله، جعل الجماعة تتفوق في شهرين على ما تم إنجازه في عام ونصف العام من المرشحين الآخرين.

 

 مطلوب أن ننشر فلسفة العمل الجماعي بين الناس، عن طرق المحاضرات والندوات والدورات، نحن في مرحلة تحتاج إلى تكاتف الجميع والتعاون معًا نحو تحقيق هدف واحد، مع تقليل حجم الخلافات والتغلب عليها إن وجدت.

 

2- نحن (كجماعة) نقدم أفضل معدلات أداء على الإطلاق في أيام الانتخابات، لما تتميز به فترة الانتخابات من دقة التخطيط، 

الحماس الجارف، وتوفر عنصر التحدي، وتقييد الهدف بوقت محدد، لو تمكنا أن نسقط هذه العوامل الأربعة على خطط الإصلاح لمقبلة، سنحقق إنجازات مبهرة في أقل وقت ممكن (مثال: إسقاط خطة المائة يوم الأولى في برنامج الرئاسة، على الوحدات الحزبية على مستوى الجمهورية، ويطلب تنفيذها في وقت محدد، على أن تشارك فيها كل طوائف الشعب بنفس الحماس والهمة، وبمجرد أن ينتهي هدف، يتم العمل في الهدف التالي مباشرة، وهكذا).

 

3- ظهر جليًا أننا في حاجة أكبر إلى التواصل الجماهيري مع الناس القرب منهم أكثر، فرغم كل المجهودات التي بذلت في الأنشطة والأعمال الخيرية، إلا أن الناس كانت تتكون لديهم صورة ذهنية سلبية عن الحزب والجماعة والتيار الإسلامي عمومًا، كان الإعلام يتربص بنا ويوجه لنا سهامه ليل نهار، دون أن ندرك خطورة الأمر، كانت الصورة تتراكم يومًا بعد يوم، حتى تفاقمت وتعاظمت وسببت لنا مشكلة بالفعل، صدمنا بها فجأة في الانتخابات الرئاسية، وسببت لنا إجهادًا شديدًا عانينا منه جميعًا.

 

المطلوب أن توضع خطة للتواصل مع الناس بكل فئاتها وخصوصًا الشباب، نريد أن نحاور الناس ونناقشهم ونقترب منهم كما اقتربنا منهم في فترة الانتخابات، ففهمنا منهم أشياء وفهموا منا أشياء، صححت لدينا مفاهيم وصححنا لديهم مفاهيم، نريد أن نبتكر أعمالاً خدمية تخفف عن الناس، وأعمالاً تشاركية تجعل الناس يشاركون في حل المشكلات، وتشعرهم بأهميتهم وتبرز مواهبهم.

 

4- رغم كل المجهودات التي بذلت في مجلس الشعب على مدار خمسة أشهر، والتي شهد بها إعلامي كبير مثل الأستاذ أحمد منصور، في مقالتين متتاليتين بجريدة (الوطن) المصرية، ورغم كل المجهودات التي بذلت في الوحدات الحزبية، لم يشعر الناس بواحد على عشرة من هذه الجهود، أو تناسوها سريعًا، أو فسروها تفسيرات سيئة، والسبب هو ضعف الإعلام لدينا من ناحية، وقوة الإعلام المضاد من ناحية أخرى، لقد ظهر جليًا أن الإعلام- وإن كان كاذبًا- يستطيع أن يقلص الإنجازات والجهود المبذولة إلى الدرجة التي صدمتنا وفجعتنا، لا بد أن نعيد حساباتنا في مسألة الإعلام، وأن نضع خطة لإعلام داخلي موازي يصل الأحياء والقرى والنجوع، إعلام قادر أن يظهر أعمالنا ويشرح وجهات نظرنا، ويقف بالمرصاد ضد دعاة الأكاذيب والفتن.

 

5- ثمانية عشر يومًا في التحرير جعلتنا ندرك جيدًا أن قوة الثورة وسر انتصارها بعد توفيق الله وإرادته، هو اتحادنا وانصهار كل الأيديولوجيات والاتجاهات في هدف واحد، وبعد التنحي.. انصرف كل فريق إلى أفكاره وأهدافه، هذا طبيعي، ولكن غير الطبيعي أننا فرطنا في وحدتنا، ولم نعرف كيف نحافظ عليها رغم اختلاف أفكارنا، فبدأت المسافات تتباعد وتتباعد، حتى وصلت إلى درجة مؤسفة بعد عام ونصف من ثورة صنعناها جميعًا بأيدينا، لكن إرادة الله الكريم الرحيم بشعبه، جعلت هذه المسافات تقل شيئًا فشيئًا، حتى وصلنا إلى مشهد رائع يوم الانتخابات الرئاسية، مشهد أعاد روح الثورة من جديد، فوقف الإخوان مع السلفيين مع 6 إبريل مع حملة أبو الفتوح مع حملة حمدين صباحي مع حزب العمل مع باقي القوى الثورية، وحققنا ساعتها إنجازًا رائعًا، وعادت روح الحب المودة والتعاون بين الجميع من جديد.

 

المطلوب أن يستمر هذا التعاون في أعمال مشتركة بيننا، تعلي المصلحة العامة وتحترم الخلاف في الرأي، وتنشر الحب في الله بين الجميع.

 

6- ظل التنافس الشريف قويًّا بين حزب الحرية والعدالة وحزب النور طوال الأشهر الماضية، حتى ظننا أن المنافسة الانتخابية ستظل بينهما حتى وقت بعيد، وأنه لا شيء سيشغلنا عن هذه المنافسة، إلا أننا فوجئنا بضربتين قويتين من الخلف، إحداهما من الإعلام، والأخرى من المجلس العسكري، واكتشفنا بعدها أن الضربتين موجهتين في الأساس للتيار الإسلامي كله وليس الإخوان وحدهم، أو السلفيين وحدهم، لقد كان الهدف هو إفشال المشروع الإسلامي نفسه، هذه الحقيقة تكشف لكلينا أننا في خندق واحد، وأننا لا يجب أن نفترق عن بعضنا بعد اليوم.

 

6- كنت أرى الله سبحانه وتعالى في مواقف عدة وهو يقف بجانبنا، كنت أراه وهو يرى ضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، كنت أراه في أحداث تقلب مصر كلها، فتزيدنا قوة وتحرك اتجاهات الناس نحونا، رايته مرة في صعود أحمد شفيق غير المتوقع إطلاقًا للمركز الثاني، ثم رأيته ثانية في صدى الحكم على مبارك وأعوانه وأولاده، ثم رأيته مرة ثالثة في قرار حل مجلس الشعب، وكلها قرارات جعلت الكثير يتعاطف معنا أو ينضم لصفنا لحماية مصر والثورة، بعد شعورهم أن هناك مؤامرة تحاك لانقضاض النظام القديم علينا، كنت أرى لله في هذه الانتخابات، كما حكى لنا الله في كتابه العزيز عن ملائكته الذين نزلوا في غزوة بدر يؤيدون المؤمنين ويحاربون معهم، إنه التوكل على الله الذي يطالبنا بالاجتهاد في أخذ الأسباب، وعندما رأى الله منا جهدًا وصبرًا، وأننا استنفدنا جهدنا، وقف بجانبنا، إن النصر حقًّا من عند الله، وما نحن إلا أسباب له.

 

.7-لا أبالغ عندما أصف أن أداء حملة الدكتور مرسي المسئولة عن إدارة العملية الانتخابية، كان أداءً عالميًّا، فلقد أذهلني تطبيق قواعد علم التنمية البشرية على أداء الحملة وأداء الدكتور مرسي، حيث اعتمدت الحملة من أول لحظة على بث الأمل في النفوس، وإرسال رسائل الثقة للعاملين في الحملة بأننا فائزون من الجولة الأولى، وللناس جميعًا بأننا واثقون في قوة مرشحنا وبرنامجه وإمكاناته، وكانت هذه الثقة تزيد يومًا بعد يوم مع لقاءات الدكتور محمد مرسي الحوارية، والتي كانت تكسبه آلاف الأنصار الجدد بعد كل برنامج حواري، كما ظلت الحملة ملتزمة بخطها الأخلاقي رغم كل ما واجهته من حرب إشاعات قذرة ليل نهار، ثم ختمت عملها بأدائها الدقيق والرائع في إعلان النتيجة، والذي سد منافذ التزوير قبل أن تبدأ.

 

8- من أكبر المكاسب التي كسبناها في جولاتنا وحواراتنا مع الناس، أننا اكتشفنا أن من حولنا وبجانبنا شباب رائعين، ما كنا سنعرف مواهبهم وثقافتهم ووطنيتهم إلا من خلال الحوار معهم، هناك عدد من الشباب لم نستطع أن نقنعهم بالدكتور محمد مرسي كمرشح، ولكن كان يكفينا أننا أقنعناهم أننا نؤمن بالحوار المهذب، الذي يقوم على الحقائق وتبادل وجهات النظر والاعتراف بالخطأ وبناء المستقبل، الحوار الذي يحترم الخلاف ويحافظ على مساحات الود بين الناس، عدد غير قليل من الشباب المختلف معنا اتفقنا معهم على تأسيس صالون سياسي بعد الانتخابات، كي يتحدث كل منا إلى الآخر، كي يفهم بعضنا بعضًا، ولا نتركهم نهبا لإعلام كل ما يهمه حصة الإعلانات أكثر من حصة الوطن.

 

لقد سجلنا أسماءهم بالفعل، ونشرع الآن في تأسيس هذه الصالونات، لبناء مصر على سواعد الشباب، الذي (اختلف) معنا والذي (اتفق).

 

9- كان القلق يداهمني على المشروع الإسلامي بين الحين والآخر، بعدما رأيت ماذا فعل الإعلام بعقول الناس، حتى جعلهم يتهمون أناسًا طالما عاشوا بينهم سنوات طوال باتهامات عجيبة لا تستجيب لعقل ولا لمنطق، كنت أشعر أن الناس ستفقد ثقتها في منهج الإسلام بعدما تسرب إليها الشك فيمن يحملونه، ولكني كنت اطمئن نفسي دائمًا أن هذه دعوة الله، هو الذي سيحميها، وأن هذا دين الله هو الذي سينصره، ولا زلت اطمئن نفسي، وأطمئنكم.

 

10- ما تعرض له الناس خلال عام ونصف جعل الكثير منهم يصاب بالإحباط، ويتشككون في جدوى الثورة نفسها، والآن بعد أن جاء أول رئيس منتخب في تاريخ مصر بإرادتهم، تجدد أمل الناس، وشحنت طاقتهم من جديد، وعلينا أن نستغل الفرصة لاستغلال هذه الطاقة في البناء، وتهيئة الناس للعمل من خلال منظومة قيم تتحدث عن التصالح ونبذ الخلافات وإعلاء مصلحة الوطن، والصبر على النتائج، وإدراك حجم التحديات وكيفية التغلب عليها، وأهمية العمل الجماعي والتوكل على الله... الخ.

 

إن ما حدث في انتخابات الرئاسة، كان نفحة أمل ورحمة من الله لنا، كي نكمل الطريق بعدما أصاب الناس من إحباط، وبعدما وقعت خطاء من الجميع، فلنستعن بالله ولنبدأ من جديد.

 

قال تعالى (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد: من الآية 35).


-----------------------
 

* ahmedsalah146@yahoo.com