تروي كتب التاريخ أنه لما فُتحت مدائن قبرص وقع الناس يقتسمون السبي، ويفرقون بينهم- أي بين سبايا العدو- ويبكي بعضهم على بعض، فتنحى أبو الدرداء ثم احتبى بحمائل سيفه فجعل يبكي، فأتاه جبير بن نفير فقال: ما يبكيك يا أبا الدرداء أتبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل فيه الكفر وأهله؟ فضرب على منكبيه، ثم قال: ثكلتك أمك يا جبير بن نفير ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره؛ بينما هي أمة قاهرة ظاهرة على الناس لهم الملك حتى تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى" (الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية- بيروت، ط1، 1407، 2/ 602).

 

انتصار ثورة الخامس والعشرين من يناير كان نعمة كبيرة من نعم الله تعالى علينا، تتطلب منا صيانتها والمحافظة عليها، وإلا جرت علينا سُنَّة الله التي لا تتبدل ولا تتغير، وهو ما حكاه أبو الدرداء في السطور السابقة: "بينما هي أمة قاهرة ظاهرة على الناس لهم الملك حتى تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى".

 

وهذا يدل على أن حفظ النعم يتطلب بداية شكر هذه النعم، والالتزام بأمر الله تعالى وعدم الحيدة عنه، وإلا صرنا إلى ما صار إليه من قبلنا، وبكى علينا من جاء بعدنا.

 

القرآن الكريم يعلمنا عبر آياته وسوره كيف نشكر الله تعالى بعد نزول النعم، فيقول تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(3)) (النصر).

 

والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولاً واحدًا، كما قال ابن كثير في التفسير؛ فإن أحياء العرب كانت تتلوم (أي تنتظر) بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مُظهر للإسلام ولله الحمد والمنة، وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: "دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي.." الحديث..

 

دلالتان لا تنفصلان

هذه السورة لها دلالتان، أولاهما ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم.

 

فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم. فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1))؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ "فقلت لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعلمه له. قال: (إذا جاء نصر الله والفتح) فذلك علامة أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)). فقال عمر ابن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول".

 

والمعنى أن السورة تحمل أجل النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتبين أن علامة هذا الأجل هي فتح مكة، فإذا جاء يوم الفتح فمعناه أن رسول الله سيلقى ربه قريبًا.

 

والدلالة الثانية ما رواه مسلم والإمام أحمد عن عائشة (رضي الله عنها): كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يكثر في آخر أمره من قوله: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه" قال: "إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابًا" فقد رأيتها.. (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)).

 

وكأن السورة الكريمة تدلنا على واجباتنا عند حدوث ما كنا نعمل ونجاهد من أجله أو نأمله ونتمناه، وهي ثلاثة توجيهات تأتي متتالية في آياتها القصيرة تأمر بالتوجه إلى الله تعالى بالتسبيح والحمد والاستغفار: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).

 

والدلالتان لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، فعندما نرى الشيب يدب في رءوسنا فهي علامة من علامات قرب الأجل تجعلنا نشتغل ونجتهد في العبادة والطاعة أكثر، وعندما ينزل بنا نصر أو نعمة فيجب علينا أيضًا أن نشتغل بالعبادة والطاعة أكثر، وفي كلا الأمرين نحن مأمورون بهذه الثلاثية العجيبة: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).

 

ليس لنا في هذا النصر يد

والشهيد سيد قطب له في ظلال القرآن وقفات عجيبة مع هذه السورة، تجعلنا نشعر بفقرنا وذلنا وقلة حيلتنا ونحن بين يدي الله تعالى وفي ملكه، وتجعلنا نستشعر الأدب في الطلب منه، ونوقن أن جهدنا البشري مهما بلغ من قوة وحنكة فلا يسلم من النقص، وأننا محتاجون فعلاً وقولاً إلى معية الله وعنايته، ولطفه تعالى ورحمته، ولو علم أكثر المشتغلين بالعمل السياسي ذلك لرأفوا بأنفسهم ومخالفيهم وبالمجتمع من حولهم، ولكنهم للأسف الشديد يقيسون كل شيء بالقياس المادي والعقلي البحت، مع أن الآية الأولى من السورة تنسب النصر إلى الله لا إليهم.

 

يقول صاحب الظلال: "في مطلع الآية الأولى من السورة إيحاء معين لإنشاء تصور خاص، عن حقيقة ما يجري في هذا الكون من أحداث، وما يقع في هذه الحياة من حوادث.

 

وعن دور الرسول (صلى الله عليه وسلم) ودور المؤمنين في هذه الدعوة. وحدّهم الذي ينتهون إليه في هذا الأمر.. هذا الإيحاء يتمثل في قوله تعالى: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ)، فهو نصر الله يجيء به الله: في الوقت الذي يقدره. في الصورة التي يريدها. للغاية التي يرسمها. وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء، وليس لهم في هذا النصر يد. وليس لأشخاصهم فيه كسب. وليس لذواتهم منه نصيب. وليس لنفوسهم منه حظ! إنما هو أمر الله يحققه بهم أو بدونهم. وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم، وأن يقيمهم عليه حراسًا، ويجعلهم عليه أمناء.. هذا هو كل حظهم من النصر ومن الفتح ومن دخول الناس في دين الله أفواجًا..

 

وبناء على هذا الإيحاء وما ينشئه من تصور خاص لحقيقة الأمر يتحدد شأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومن معه بإزاء تكريم الله لهم، وإكرامهم بتحقيق نصره على أيديهم. إن شأنه ومن معه هو الاتجاه إلى الله بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة الانتصار.

 

دلالة التسبيح والحمد في البداية

والتسبيح معناه تنزيه الله تعالى عن كل نقص، وهو عند النصر له دلالة كبيرة، فكأنه تعالى يقول لنبيه: "فقُلْ: سبحانَ الله حامدًا لهُ، أو فتعجبَ لتيسيرِ الله تعالَى ما لَمْ يخطُرْ ببالِ أحدٍ من أنْ يغلبَ أحدٌ على أهْلِ حرمِهِ المحترمِ (...) أو فنزههُ عما يقولُه الظلمةُ حامدًا لهُ على أنْ صدقَ وعدَهُ" (الإمام أبي السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، 7/ 65).

 

"التسبيح والحمد على ما أولاهم من منة بأن جعلهم أمناء على دعوته حراسًا لدينه. وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه، وفتحه على رسوله ودخول الناس أفواجًا في هذا الخير الفائض العميم، بعد العمى والضلال والخسران" (الظلال).

 

وتنزيه الله تعالى واجب خاصة بعدما طافت بنفوس كلٍ منا الخطرات، وجالت في نفوس بعضنا الشكوك، وتساءل آخرون هل ينصرنا الله؟ وارتفعت أصوات المنافقين والذين في قلوبهم مرض: "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا".

 

 يقول الإمام ابن قيم الجوزية (رحمه الله): "فَمَنْ ظَنّ بِأَنّهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ وَلَا يُتِمّ أَمْرَهُ وَلا يُؤَيّدُهُ وَيُؤَيّدُ حِزْبَهُ وَيُعْلِيهِمْ وَيُظْفِرُهُمْ بِأَعْدَائِهِ وَيُظْهِرُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَنّهُ لَا يَنْصُرُ دِينَهُ وَكِتَابَهُ، وَأَنّهُ يُدِيلُ الشّرْكَ عَلَى التّوْحِيدِ وَالْبَاطِلَ عَلَى الْحَقّ إدَالَةً مُسْتَقِرّةً يَضْمَحِلّ مَعَهَا التّوْحِيدُ وَالْحَقّ اضْمِحْلالاً لا يَقُومُ بَعْدَهُ أَبَدًا؛ فَقَدْ ظَنّ بِاَللّهِ ظَنّ السّوْءِ، وَنَسَبَهُ إلَى خِلَافِ مَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلالِهِ وَصِفَاتِهِ وَنُعُوتِهِ، فَإِنّ حَمْدَهُ وَعِزّتَهُ وَحِكْمَتَهُ وَإِلَهِيّتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ، وَتَأْبَى أَنْ يُذَلّ حِزْبُهُ وَجُنْدُهُ، وَأَنْ تَكُونَ النّصْرَةُ الْمُسْتَقِرّةُ وَالظّفَرُ الدّائِمُ لِأَعْدَائِهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْعَادِلِينَ بِهِ، فَمَنْ ظَنّ بِهِ ذَلِكَ فَمَا عَرَفَهُ وَلَا عَرَفَ أَسَمَاءَهُ وَلَا عَرَفَ صِفَاتِهِ وَكَمَالَهُ.." (ابن قيم الجوزية، زاد المعاد، 3/ 204).

 

لماذا الاستغفار بعد النصر؟

وربما يتساءل بعضنا؟ ولماذا الاستغفار بعد النصر؟ والمعروف أن النصر يأتي للطائع والعابد والشاكر، فيجيبنا سيد (رحمه الله) فيقول: "والاستغفار لملابسات نفسية كثيرة دقيقة لطيفة المدخل: الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح، وفرحة الظفر بعد طول العناء. وهو مدخل يصعب توقيه في القلب البشري. فمن هذا يكون الاستغفار.

 

والاستغفار مما قد يكون ساور القلب أو تدسس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاسي، والشدة الطاغية والكرب الغامر.. من ضيق بالشدة، واستبطاء لوعد الله بالنصر، وزلزلة كالتي قال عنها في موضع آخر: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ (214)) (البقرة)؛ فمن هذا يكون الاستغفار".

 

أليس كلنا مرَّتْ به مثل هذه اللحظات قبل انتصار الثورة وبعدها؟ أليس كلنا وقفنا قبل نجاح الثورة نفسر الأحداث بتفسيراتنا الشخصية وكنا نيأس أحيانًا ونضيق أحيانًا ونتبرم أحيانًا؟ ويعيب بعضنا على بعض أنه فعل كذا وتبنى رأي كذا؟!

 

أليس بعضنا أخذته لذة الفرح ونشوة النصر بعد الأحداث الأخيرة التي مرت بها الثورة المصرية ونجاح الدكتور مرسي- مرشح الثورة المصرية- كأول رئيس مدني يتولى رئاسة مصر بعد ستين عامًا؟!

 

ثم يواصل صاحب الظلال، ويقول: "والاستغفار من التقصير في حمد الله وشكره؛ فجهد الإنسان، مهما كان، ضعيف محدود، وآلاء الله دائمة الفيض والهملان.. (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) (النحل: من الآية 18)، فمن هذا التقصير يكون الاستغفار..

 

وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار.. ففيه إيحاء للنفس وإشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز. فأولى أن تطامن من كبريائها، وتطلب العفو من ربها. وهذا يصدُّ قوى الشعور بالزهو والغرور..

 

ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى الله طلبًا للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين. ليرقب المنتصرُ اللهَ فيهم، فهو الذي سلطه عليهم، وهو العاجز القاصر المقصر. وإنها سلطة الله عليهم تحقيقًا لأمر يريده هو. والنصر نصره، والفتح فتحه، والدين دينه، وإلى الله تصير الأمور.

 

إنه الأفق الوضيء الكريم، الذي يهتف القرآن بالنفس البشرية لتتطلع إليه، وترقى في مدارجه، على حدائه النبيل البار. الأفق الذي يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه، وترف فيه روحه طليقة لأنها تعنو لله!

 

إنه الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحًا من روح الله. وليس لها حفظ في شيء إلا رضاه. ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق الحق؛ وعمل لعمارة الأرض وترقية الحياة؛ وقيادة للبشرية قيادة رشيدة نظيفة معمرة، بانية عادلة خيرة، الاتجاه فيها إلى الله".

 

أدب النبوة عند النصر

ثم يؤكد صاحب الظلال أن هذا "هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائمًا، يريد الله أن ترتفع البشرية إلى آفاقه، أو تتطلع إلى هذه الآفاق دائمًا..

 

كان هذا هو أدب يوسف (عليه السلام) في اللحظة التي تم فيها كل شيء، وتحققت رؤياه: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)) (يوسف) وفي هذه اللحظة نزع يوسف (عليه السلام) نفسه من الصفاء والعناق والفرحة والابتهاج ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر. كل دعوته وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)) (يوسف)، وهنا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء وتجمع الأهل ولمة الإخوان، ويبدو المشهد مشهد إنسان فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين عنده. من فضله ومنِّه وكرمه..

 

وكان هذا هو أدب سليمان (عليه السلام) وقد رأى عرش ملكه سبأ حاضرًا بين يديه قبل أن يرتد إليه طرفه: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل: من الآية 40).

 

وهذا كان أدب محمد (صلى الله عليه وسلم) في حياته كلها، وفي موقف النصر والفتح الذي جعله ربه علامة له.. انحنى لله شاكرًا على ظهر دابته ودخل مكة في هذه الصورة. مكة التي آذته وأخرجته وحاربته ووقفت في طريق الدعوة تلك الوقفة العنيدة.. فلما أن جاءه نصر الله والفتح، نسي فرحة النصر وانحنى انحناءة الشكر، وسبح وحمد واستغفر كما لقنه ربه، وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار كما وردت بذلك الآثار. وكانت هذه سنته في أصحابه من بعده، رضي الله عنهم أجمعين".

 

وأضيف إلى ما ذكره صاحب الظلال (رحمه الله) ما حكاه الله تعالى في كتابه على لسان ذي القرنين، بعد تمكين الله تعالى له في الأرض، قال: (هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي) (الكهف: 98)، فلم ينسب لنفسه فعلاً ولا فضلاً ولا حولاً ولا قوة.

 

وما حكاه الله تعالى على لسان نبيه سليمان (عليه السلام) بعد حواره مع نملة إنما هو إدراك منه لواسع نعمة الله تعالى عليه ولطفه ورحمته: (... وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)) (النمل: 19).

 

هذه أخلاقنا التي يجب أن نتخلق بها بعد الانتصار، وإن لم نفعل فأخشى أن تدور الأيام دورتها، ونرجع نستخلص الدروس من قصة أبي الدرداء (رضي الله عنه): "بينما هي أمة قاهرة ظاهرة على الناس لهم الملك حتى تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى". فلنكثر هذه الأيام خاصة من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه"، كما كان يفعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ونسأله تعالى أن يتم علينا نصره، ويسبغ علينا نعمته، ويدخلنا في واسع رحمته.

-----------

(*) كاتب صحفي