قال تعالى (وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)) (آل عمران)، ذكر علماء التفسير في تفسير هذه الآية وتعيين سبب نزولها: أن هذه مكيدة أراد اليهود بها أن يُلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اتفقوا فيما بينهم أن يظهروا الإيمان والدخول في الإسلام أول النهار، ويقولوا: نشهد أن محمدًا حقّ صادقٌ، ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار قالوا: "إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذب، وأن المسلمين ليسوا على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا" ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصةٍ وعيبٍ في دين المسلمين، ولهذا قالوا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

 

وهي طريقة ماكرة لئيمة؛ فإن إظهارهم الإسلام ثم الرجوع عنه قد يوقع بالفعل بعض ضعاف النفوس والعقول وغير المتثبتين من حقيقة دينهم وطبيعته في بلبلة وحيرة واضطراب.

 

وما تزال هذه الخدعة تمارَس حتى اليوم في صور شتى تناسب تطور الملابسات والناس في كل جيل، من خلال استخدام جيش جرار من الرافضين للمشروع الإسلامي موجه لخلخلة القيم والمفاهيم والمبادئ الإسلامية في النفوس بشتى الأساليب ، وتشويه الحاملين لهذا المشروع والترويج لإفشاله ، والعمل على الوقيعة بين الأمة وبين هذا المشروع الكريم وحامليه، وهذا الجيش الجرار يتحرك وفق خطة لترويج الشائعات المفتراة وتزيين الأباطيل الواضحة أعدها أكابر المجرمين كما أشار القرآن الكريم (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا) (الأنعام:123) لكن الله وعد بإبطال هذا المكر، وأكد أنه سيضر أصحابه من حيث لا يعلمون (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)) (الأنعام).

 

ومن أحدث ما أعاد هؤلاء المجرمون المفسدون إنتاجه من التضليل والتدليس: استئجار مجموعات من البلطجية وبقايا المرتبطين بجهاز العار السابق المسمى بأمن الدولة وتدريبهم على إطلاق لحاهم وإظهار السمت الإسلامي والتصرف على وجه مسيء ينفر المجتمع من المشروع الإسلامي ومن المنتسبين إليه والعاملين على تحقيقه، وبلغ الفجور بهم مؤخرًا حد الاعتداء على الناس وربما إراقة الدماء وتكسير المحلات واقتحام البيوت وتفزيع المواطنين، بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تساعدهم في ذلك آلة إعلامية فقد أصحابها كل معاني الشرف والوطنية، فاجتهدوا في اختلاق الأكاذيب وترويجها والإلحاح عليها، متفننين في الإفلات من الوقوع تحت طائلة القانون بنسبة هذه الأكاذيب إلى مصادر يمتنعون من ذكرها بزعم حق الصحفي في حماية مصادر معلوماته، ولا يبالون بحرق هذا الوطن العزيز في سبيل تحقيق مآرب من يمولونهم بسخاء.

 

وإذ ألفت نظر القراء الكرام إلى هذه الجريمة التي ترتكبها هذه العصابات الإجرامية وتغطيها تلك الآلات الإعلامية فإنني أؤكد أنه لا يوجد في مصر على الإطلاق على حد علمي ما يسمى بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنني أدعو جميع المصريين إلى أن يعبروا عن حبهم لوطنهم بصورة إيجابية وأن يعملوا على حماية الوطن بصورة عملية، من خلال التصدي لهذه المجموعات التي تتظاهر بالمظهر الإسلامي، والتعاون في القبض عليها وتسليمها للعدالة، بدلاً من السلبية وتناقل الشائعات ومصمصة الشفاه.

 

أقول لكل مواطن حر محب لوطنه عمومًا وأخص الإخوة المتبنين للمشروع الإسلامي: إذا رأيت أحدًا له مظهر إسلامي يعتدي على أحد أو على فرح أو على محل أو نحو ذلك فاجتهد مع غيرك من المواطنين في القبض عليه وتسليمه للشرطة، حتى تتمكن الأمة من كشف هذا المخطط الإجرامي الذي لا أتصور إلا أنه من صنع جهاز أمن الدولة السابق سيء السمعة، كما أدعو الدولة وأجهزة الأمن بشكل خاص إلى الجدية في ملاحقة هؤلاء المفسدين في الأرض، وأدعو النيابة العامة والقضاء إلى محاسبة المتورطين في هذه الأعمال الإجرامية والمحرضين عليها والمخططين لها، كائنة ما كانت المراكز التي يشغلونها والقوة التي يحتمون بها، على أن يتم كل ذلك وإعلانه للمجتمع بصورة شفافة لا تخفي شيئًا من الحقيقة، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

والله أكبر وتحيا مصر حرة عزيزة آمنة مستقرة.