تأسس كل من المجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، واللذين ترأستهما زوجة الرئيس المخلوع؛ ليكونا ذراعين للأمم المتحدة، تم تأسيسهما في مصر- كما في سائر دول العالم الثالث- تحت مسمى "الآليات الوطنية National Machineries" لتطبيق الاتفاقيات الدولية للمرأة والطفل، وعلى رأسها اتفاقية "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)"، واتفاقية "حقوق الطفل CRC"، والتي وقَّع عليها النظام البائد، وورط مصر والمصريين فيها، بدون أن يدري أفراد الشعب المصري عنهما شيئًا.
وعلى الرغم من إزاحة رأس النظام كهدف من أهداف ثورة 25 يناير، إلا أن هذين المجلسين لا زالا قائمين، ويؤديان نفس المهمة التي أسسا من أجلها.
تغيير البنية التشريعية
ونرى أن من أخطر أوجه الفساد التي تسبب فيها هذان المجلسان، هو ما قاما بإدخاله من تغييرات في البنية التشريعية المصرية في العقود الثلاثة الأخيرة؛ حيث شهدت الساحة القانونية سيلاً متلاحقًا من التعديلات التشريعية، خاصة في مجال قوانين الأحوال الشخصية.. إذ تمكن "المجلس القومي للطفولة والأمومة" تحت قيادة مشيرة خطاب- أمينته العامة السابقة- من إدماج الاتفاقيات الدولية المعنية بالطفل والوثائق الدولية التابعة لها، في صلب قانون الطفل المصري لعام 2007م.
وتكمن خطورة تلك الوثائق في مطالباتها التي تتصادم تمامًا مع القيم والأخلاق الأصيلة للشعب المصري، منها على سبيل المثال: المطالبة بضرورة توفير خدمات الصحة الإنجابية لكل الأفراد من كل الأعمار، والتي تشتمل على تدريب الأطفال والمراهقين على استخدام وسائل منع الحمل، وتوفير تلك الوسائل لهم، ثم الحث على إباحة الإجهاض كوسيلة للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه، وتقييد سلطة الآباء التربوية تجاه الأطفال تحت مسمى "منع العنف ضد الطفل"، بالإضافة إلى إقرار الشذوذ الجنسي واعتباره حقًّا من حقوق الإنسان.
أما المجلس القومي للمرأة، فقام بإدخال عدد من القوانين سيئة السمعة، وعدد من التعديلات على قوانين الأحوال الشخصية، والعمل، والعقوبات، بحيث تتحول المرجعية التشريعية تدريجيًّا لتصبح هي الاتفاقيات الدولية بدلاً من الشريعة الإسلامية.
وقد تسببت تلك التعديلات في ارتفاع نسب الطلاق، حتى وصلت من 11% عام 2000م (عام تأسيس المجلس) إلى حوالي 45% عام 2009م، فضلاً عن ارتفاع نسبة العنوسة لتتجاوز الـ9 ملايين حالة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأ هذان المجلسان تدريجيًّا بسحب التحفظات التي وضعتها الحكومة المصرية عند التوقيع عليها، حتى أن مشيرة خطاب- أمين عام المجلس القومي للأمومة والطفولة سابقًا- سحبت كامل تحفظات مصر على اتفاقية حقوق الطفل، ثم قامت بتقديم مشروع "قانون الطفل المصري"، والذي تسبب في ثورة عارمة في الشارع المصري، قوبلت بالتجاهل والإصرار حتى تم بالفعل ما خططت له. وقد نص القانون على رفع سن الزواج، وتمكين الأم الزانية من تسجيل طفلها في حالة عدم وجود عقد زواج، وتكبيل سلطة الآباء التربوية عن طريق ما يُعرف بالخط الساخن، وكانت النتيجة ارتفاعًا كبيرًا في نسبة الأطفال مجهولي النسب، وارتفاع نسبة التزويج غير الموثق للفتيات دون الثامنة عشرة خاصة في الأقاليم.
إفساد الحياة الاجتماعية
كما قام المجلس القومي للمرأة بالعمل على نشر الثقافة الجنسية بين المراهقين حول الأنواع المختلفة من وسائل تنظيم الأسرة المتاحة، وكيفية الحصول عليها، وقد أورد المجلس في أحد إصداراته بعنوان: "المرأة وتحديات العصر"، في عام 2003م، أنه قام بعقد الكثير من الندوات لهذا الغرض، منها- على سبيل المثال- 960 ندوة في محافظة الغربية وحدها، وكان إجمالي عدد المشاركات فيها 19200 مشاركة.
وبذل "القومي للمرأة" جهودًا كبيرة في تشجيع النساء على استخدام وسائل منع الحمل بدون إذن الأزواج، وهو ما نص عليه أحد إصدارات المجلس في عام 2005 بعنوان: (المرأة المصرية في الخطاب السياسي وفي السياسات الحكومية) حيث ذكر أن: "المعوقات التي تحول دون وصول المرأة إلى خدمات تنظيم الأسرة، ضرورة الحصول على إذن الزوج".
وقد تسببت المغالاة في إبراز المرأة كطرف مقهور من قبل الرجل، في خلق روح صراعية شديدة بين الرجل والمرأة ساهمت في إفساد الحياة الاجتماعية وتفكك الأسرة المصرية، حيث شرعت بعض القوانين لصالح الزوجة دون مراعاة للزوج.
مجلس قومي للأسرة
تلك كانت لمحات موجزة عن أوجه الإفساد التي قادها هذان المجلسان في مصر، ومن ثم نرى- استنادًا لما سبق- إما أن يتم حل المجلسين وإسناد المهام التي كان يفترض أن يؤديها كل منهما إلى وزارة التضامن الاجتماعي والمركز القومي للبحوث الاجتماعية، أو أن يتم دمجهما في مجلس واحد هو "المجلس القومي للأسرة"، مع تطهيرهما من كل من ساهم في إفساد المنظومة القيمية، والمجتمعية، والأخلاقية، والقانونية المصرية، وإبدالهم بآخرين معروف عنهم الحرص على تماسك الأسرة وقوتها، ومشهود لهم بالعمل وبذل الجهد من أجل ذلك، مع ضرورة تغيير لائحته وأهدافه وأنشطته بالكامل.
فالمجلس القومي للأسرة يجب أن يكون له دور حقيقي في إجراء الأبحاث الميدانية للوصول إلى الأسباب الفعلية وراء ما تعانيه الأسرة من مشكلات تؤدي إلى تفككها وانهيارها، ثم يضع البرامج العملية لإصلاحها، وحل مشاكلها، والارتقاء بها، وأن يسعى إلى استعادة الأسرة لدورها التربوي نحو الأجيال القادمة، والذي أدى افتقاده ما تعانيه الأسر الآن من مشكلات استجدت عليها خلال العقود الثلاث السابقة.
كما يجب أن يكون له رؤية في قوانين الأسرة الحالية والمستقبلية، من خلال الاستعانة بمتخصصين معروفين بالنزاهة والإخلاص، ويقوم بطرحها على البرلمان لتحويلها إلى قوانين عادلة مستمدة من الشريعة الإسلامية، مع حفظ حق المسيحيين في الاحتكام إلى أحكام دينهم في هذا الشأن.
مع الحرص على وضع قيود الصارمة على مصادر المجلس التمويلية، حتى تغلق تمامًا أبواب التمويل الأجنبي، التي غرق فيها المجلسان السابقان، وكانت سببًا لتوجيه أجندتيهما بعيدًا عن الاحتياجات الفعلية للأسرة المصرية، والعمل على تطبيق أجندات الجهات المانحة، التي كانت تصب في جلها في اتجاه تفكيك الأسرة وهدمها.