تمر مصرنا العظيمة بمرحلة تاريخية بل لحظة فارقة في تاريخها إذ تبدأ أولى خطواتها نحو تأسيس دولة المؤسسات دولة العدل والحرية والكرامة، مصر الإسلامية التي تمتلك رصيدًا حضاريًّا لا تضارعها فيه دولة أخرى في العالم بأسره، مصر التي في خاطري تتعرض لهجمات منظمة مدفوعة الأجر مسبقًا مخطط لها ومدبر لها بليل وبنهار.
فمنذ أن حسمت نتيجة انتخابات الرئاسة لصالح المرشح المستحق القوي الأمين أ.د.م محمد مرسي، والإعلام المصري أصيب بسعار حتى أنهم لازالوا في غيبوبة إعلامية لا يكاد يصدقون أنَّ الثورة قد أنتجت أولى نتاجها، وأن عجلة التغيير تسير بخُطى متأنية موزونة محكمة، وأنَّ العودة للوراء بات من المستحيلات رغم كل هذه الحقائق، إلا أنَّ هذا الإعلام لازال يغرد خارج السرب بل انزوى يلطم الخدود ويشق الجيوب يبكي ويتباكى على أيام قبل فيها الأيادي ولحس الأحذية وانحنى، مقدمًا فروض الولاء والطاعة من أجل أن يحصل على ترخيص لحزب أو لجريدة يرتزق منها ويروج فيها لديمقراطية المخلوع المكذوبة.
كم من إعلامي من نجوم الفضائيات الآن أو من أصحاب الأعمدة كانت غاية أمانيه أن يرضى عنه ضابط المخابرات السابق مسئول العمليات القذرة؛ لأجل نيل رضاه والحصول على نفحة من نفحاته وكم من إعلامي دشن المقالات وسخر الحروف والكلمات لأجل نيل رضا المخلوع وحاشيته.
لذا رأيت أن أكتب مذكرًا فإن الذكرى تنفع المؤمنين وذلك لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد؛ ليعلم الإعلاميون قيمة الكلمة وبالأحرى أمانة الكلمة ومن باب (الدين النصيحة).
اللسان وما أدراك ما اللسان هو نعمة من نعم الله العظيمة لكن جرمه عظيم فهو ترجمان القلوب، ومعبرًا عما بالنفوس وكاشفًا ما في الصدور تجده في الشر سبَّاقًا وفي الخير متلكئًا إلا من رحم.
قال يحيى بن معاذ: "القلوب كالقدور تغلي بما فيها وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه حلو وحامض وعذب وأجاج وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه".
كم من لسان وقعت به مصائب بل حروب! وكم حلت به مشكلات! ولكن أصبح الآن أداة نقمة تستخدم في نهش أعراض الناس ونشر الأكاذيب وبث الفتن وتقطيع روابط المحبة وتفتيت الوطن وتشرذم الأمة.
فباللسان تتعلق الجوارح يقودها إما إلى الهلاك وإما إلى الفلاح "وهل يكبُّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"
روى الأمام الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان- أي تخضع له- فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات وإنَّ العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم".
أرأيتم قيمة هذه النعمة وخطورتها في الوقت ذاته؟ أرأيتم كيف يمكن للسان أن يقودنا إلى الجحيم أو إلى الجنة؟
لذلك كانت نصيحة رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "يا معاذ كف عنك هذا وأخذ بلسانه ..... وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.
انظر إلى سلفنا الصالح فهذا صديق الأمة أبي بكر رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: "هذا أوردني الموارد" وها هو ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه عنه ابن بريدة يقول: رأيت ابن عباس آخذًا بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيرًا تغنم أو اسكت عن سوء تسلم وإلا فاعلم أنك ستندم قال: فقيل له: يا أبا عباس لم تقول هذا؟ قال: إنه بلغني أنَّ الإنسان- أراه قال- ليس علي شيء من جسده أشد حنقًا أو غيظًا يوم القيامة منه على لسانه إلا ما قال به خيرًا أو أملى به خيرًا.
ولكن ما موقف الإعلام المصري من هذا لقد دأب ولا يزال هذا الإعلام المغرض المأجور في دق طبول الحرب وبث الإشاعات والفتن لتشويه التيار الإسلامي وخاصة الإخوان.
وهاكم بعض الآفات التي يمارسها الإعلام:
آفة الكذب: ففي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ما حدث به مما رآه من أنواع عذاب أهل النار فكان مما قال عليه الصلاة والسلام: "أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يكذب الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة".
كم من أكاذيب قام الإعلام بنشرها وإشاعات اختلقها وروجها ومن يريد الإطلاع فليراجع صحيفة الدستور وغيرها- فليست الدستور إلا غيض من فيض- أيام انتخابات الإعادة فسيجد ما لذ وطاب من الأكاذيب لكن لا غرابة وصاحبها رضا إدوارد أما عن محررها فبريق المال الطائفي غلاب.
آفة السكوت عن الحق والصدع بالباطل: يقول ابن القيم رحمه الله: "وفي اللسان آفتان عظيمتان إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام وآفة السكوت وقد يكون كل منهما أعظم إثمًا من الأخرى في وقتها فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاصيًا لله مراءٍ ومداهن إذا لم يخف على نفسه والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاصيًا لله وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين.
هل تعامل الإعلام بموضوعية وحيادية؟ هل قدم مصلحة والوطن واستقراره؟ أم كان سلاحًا هدامًا يسعى لهدم الدولة وتفتيتها وبث الإشاعات وبذور الفتنة بين كيانات المجتمع وطوائفه.
يحضرني هنا أحد الكتاب الكبار الذي شبه السيد أحمد شفيق الذي قدوته المخلوع بخالد بن الوليد قبل الإسلام وبعده وسخر المساحة المتاحة له في الانتقاص من التيار الإسلامي وتشويهه والسخرية منه فهل هذا نطق وصدع بالحق هل هذا قدم نقدًا بناءً موضوعيًّا لخدمة هذا الوطن، أم هو الهوى فقد سخر من اللحية التي هي شعيرة من الشعائر والأدهى أنه لا يجرؤ أن يسخر من لحية قسيس أما لحية المسلم فمستباحة لدى هذا الكاتب الساخر الذي بلغ من العمر أرذله فبماذا سيعتذر إلى الله.
آفة شهادة الزور: قال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)(الفرقان:72)، وقال سبحانه وتعالى: (رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة:283).
ما موقف الإعلام هل شهد شهادة حق هل تعامل بموضوعية ومهنية مع كل التيارات السياسية في مصر فأخضعها إلى النقد البناء انطلاقًا من أن كل التيارات السياسية هي تيارات بشرية وتجارب واجتهادات تخطئ وتصيب.
كلا بل أهال التراب وشوه التيار الإسلامي في حملة بل حملات منظمة منذ قيام الثورة حتى هذه اللحظة.
فقط التيار الإسلامي تعرض للتشويه والتجريح وليس للنقد البناء والنصح والإرشاد أما تلك التيارات التي ليس لها وزن في الشارع والتي يقاس وزنها بمدى الجعجعة والصياح في الفضائيات وبمدى قدرتها على تأجير الأقلام واستكتاب المرتزقة لأجل تزييف الحقائق وإضفاء مشروعية وشعبية مزيفة لهذه التكتلات وليدة التمويل الطائفي المشبوه والتمويل الفلولي المعتوه، فقد هيأ لها الإعلام فامتلأت الفضائيات بالمرتزقة والمستكتبين من لاعقي أحذية النظام السابق وأرباب المال الطائفي كل هذا الشمل تكاتف لحرب وتشويه كل ما هو إسلامي.
آفة القذف: قال جل في علاه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(النور:4).
قد بلينا اليوم بأبواق إعلامية لا حصر لها جلها يسعى إلى اجتذاب المشاهدين بتجريح المسلمين فتسمع وترى ألوان من الافتراءات والبهتان كقطع الأذن، واختلاق هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ناهيك عن السب والتجريح الذي طال أعلى سلطات الدولة دون وازع من ضمير أو أخلاق واستغلال لمناخ الحرية بعد زمن كان لا ينطق أحدهم فيه بكلمة دون إذن من أسياده في أمن الدولة.
آفة السب والشتم والسخرية: قال جل في علاه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(الحجرات:11).
كم سخِر الإعلام من التيار الإسلامي، واصفًا إياه بالظلامية والرجعية وطيور الظلام.. إلخ، مما حدا ببعض شركاء الوطن أن وصف تطبيق الحدود قائلاً: "هو عودة إلى عصر الصحراء"، فقد نشر ذلك على لسان القس عبد المسيح بسيط في جريدة "المصرى اليوم" في حينه.
كم سخَّر ويسخِّر كهنة الإعلام الفلولي إعلام المال الحرام، إعلام المال الطائفي، إعلام غسيل الأموال، إعلام الفوضى والفتنة!! ساعات وساعات أنفقوها في الهجوم على الإخوان وكتب ومجلات وصحف ومطويات كلها تنهش في كل ما هو إسلامي حتى أضحى الإسلاميون مادة دسمة دائمة كالمسلسلات لا تخلو منها فضائية من الفضائيات الفلولية والطائفية الكل يتسابق في سباق محموم؛ لتشويه كل ما هو إسلامي جريًا وراء المال الطائفي الذي ينفق بسخاء لم لا وقد رصد السيد ساويرس 3 مليارات جنيه لمقاومة التيار الإسلامي الذي يسعى إلى الأممية، كما قال السيد ساو يرس زعيم التمويل الطائفي.
لقد نجح هذا القارون في بناء مؤسسات إعلامية وبوتيكات حزبية أنتجت الكثير ممن باعوا آخرتهم بدنياهم وهان عليهم دينهم فباعوا أنفسهم لساويرس فكم من حزب- والأحرى أن نسميه بوتيك- أنشأه ساويرس بأمواله، فهل هو عاشق للديمقراطية متيم بها أم هي كيانات لمقاومة الاتجاه الإسلامي؟ وكم من مناضل فضائي يتحدث الآن بلسان طائفي مقيت فيعمد إلى بث الفرقة بين أبناء الوطن وهي نفس سياسة النظام الباعد وكم من مرتزق فضائي يتنقل من فضائية إلى أخرى ليؤدي الوظيفة التي كلفه بها قارون المال الطائفي نكاية في الإسلام؟
أما كان الأحرى بقارون المال الطائفي أن ينفق أموله هذه في بناء مدارس ومستشفيات يجتذب (يشتري) بها أصوات المصريين إن كانت أصوات المصريين يمكن أن تشترى كما يدعون.
إنهم عجزوا عن مهاجمة الإسلام فتلقفوا كل من له توجه إسلامي بالهجوم فهم عجزة عن مهاجمة الإسلام لا يجرؤون على مهاجمته فلجئوا إلى التيار الإسلامي لتشويهه، انتقامًا من قيم ومبادئ هذا الدين العظيم.
وأخيرًا إن كنتم سخرتم أقلامكم للسخرية والتشويه والتجريح واختلاق الأباطيل ونشر الكذب والبهتان فأقول لكم: (إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)(هود:38).
لكن كم من أقلام شريفة امتنعت أن تسخر قلمها في الخوض أو المشاركة في هذه الحملات ونأت بنفسها عن التلاعب بالوطن هؤلاء هم أصحاب القلم الصادق، علموا أمانة الكلمة فلم يغرهم تغير الزمان أو المكان أو الحكام فأخلصوا لوطنهم، فاللهم أكثر من أمثالهم.
--------