تتشكل الآن الملامح الجديدة للوطن، والمؤكد أن "التجديد" سيفرض نفسه على تفاصيل ومكونات هذا الوطن، و"الإخوان" باعتبارهم فصيلاً ملتحمًا بنسيج بلادهم سيخطون- لا شك- نحو "التجديد".
هناك "جديد" كثير يستحق أن نأخذه في الاعتبار حتى يمكن استيعابه, ومن ثم إحداث حركة "تجديد" مناسبة له في جسم "الجماعة", ولنا أن نشير هنا إلى ملمح واحد مهم في هذا "الجديد" الذي ينبغي أن تتواءم معه حركة "التجديد"، وهو:
قيادة العملية السياسية والتحول الديمقراطي
فلقد ظلت "الجماعة" طوال الثلاثين عامًا الماضية تلعب دورًا معارضًا، حتى أصبحت زعيمة المعارضة والمستهدفة الأولى بمواجهات النظام البائد، وقد ظلت طيلة هذه الفترة "بتشكيل" واحد حرصت على إروائه بكل معاني الإسلام حتى يظل كيانًا مسلمًا متماسكًا مقاومًا، وبعد الثورة بدأ هذا الكيان في "ولادات" متلاحقة نتوقع أن تستمر مع كل تطور في تضاريس الوطن السياسية؛ إذ انبثق عن "الجماعة" حزب سياسي حاز ثقة الأكثرية، ثم اختار الشعب منها من يقود مؤسسة "الرئاسة"، والتي اضطلعت بمسئولية تشكيل "الحكومة".
و"الجديد" في العملية السياسية- كما ترى- كبير.. بل كبير جدًّا؛ حيث يشعر بوطأة المسئولية كل أبناء الجماعة، سواء اقتربوا أو ابتعدوا عن مراكز التشاور وصنع القرار فيها، بل لا تكاد تجد ابتسامة مرسومة على وجه أعضائها مهما صغرت سنهم؛ بسبب المسئوليات المتلاحقة التي وجدوا أنفسهم يحملونها أمام شعبهم، وأصبح لزامًا أن نرى في الشخصية "الإخوانية" شرائط الاستعداد للمرحلة الجديدة، ومن هنا تحديدًا ينبغي أن نبدأ من الشخصية "الإخوانية".
وهذا "التجديد" يجب أن يلحق بكل التفاصيل المكونة لهذه الشخصية، وأبرز ملامح التجديد التي نريد أن نراها في صفنا تتمثل في:
1- استعداد نفسي لمواجهة ضغوط مرحلة التحول السياسي:
تلك المرحلة التي تتمركز "الجماعة" في موقع الريادة منها، طبقًا لاختيارات الشعب الحرة، وهذه الضغوط التي تتراوح من مطالب شعبية تنتظر التحقيق الفوري، إلى حرب إعلامية لا نظنها ستهدأ قبل خمس سنوات من الآن، وصولاً إلى برنامج رئاسي ينتظر الجميع تنفيذه رغم المقاومة الضروس من مؤسسات الدولة بكاملها.
وعليه فإننا نحتاج نفوسًا صلبةً, تتسع للناس وتصبر على أذاهم, تدرك أن هذه هي طبيعة المرحلة، وأن الثناء على "الإخوان" مرحلة مضت، وقد لا تأتي إلا بعد سنوات، حين تؤتي برامج التنمية أكُلها، ويشعر الناس بثمرتها.
نريد نفوسًا تثق تمامًا أننا "جماعة" غير قابلة للفشل؛ لأن الفاشل هو الذي لا يخطط ولا يمتلك إرادة التنفيذ، و"الجماعة" بفضل الله تمتلك العنصرين: "التخطيط" و"إرادة التنفيذ"، وعلى الصف أن يحافظ بكل إمكاناته على هذا اليقين المستمد من الثقة بالله وبالمنهج.. بهذا يمحو "الإخوان" من خيالهم سؤال: هل سنفشل أم سننجح؟! ويضعون مكانه سؤالين: ما مقدار نسبة النجاح؟ وكيف نصل بها إلى الغاية المرجوة؟ وبهذا نضع "الصف" في خطوط المواجهة الأولى في معركة "النهضة" بلا خوف من الصعوبات والمواجهات.
2- استعداد مجتمعي:
فلقد ظللنا نتعامل مع المجتمع بطريق إسداء الخدمات له، أما الآن فثمة تحول جوهري ينبغي أن نقوم به؛ حيث نحتاج إلى خطة كبرى لتحويل المجتمع إلى (شريك فاعل) في "النهضة", ثم (لإجبار) الأجهزة التنفيذية على الاستجابة لمطالب الشارع، مهما كانت الأوامر الصادرة لهم بالتعويق، فهذان المحوران هما التحدي الذي به يتحول المجتمع من حالة "التربص" بقيادته السياسية، إلى حالة "المشاركة" في عملية التنمية، ويحول الأجهزة التنفيذية من حالة "اللعب على الحبال" بين "العسكري" و"الرئاسة" إلى حالة "الاضطرار" لخدمة الجماهير، وهذا التحدي نحتاج إلى وضعه على الطاولة والبدء فورًا في إنجازه؛ لأن قصر المهمة على مجرد "خدمة الشعب" عن طريق كوادر "الجماعة" و"الحزب" ستزيد حالة "السلبية المجتمعية" ويكرس حالة "التربص" ويزيد من فرص المقاومة البيروقراطية والفلولية لعملية التحول الكبرى التي ترتجيها "الثورة".
والحقيقة فإن استنهاض همم الشعب للمشاركة وتوجيهه لإلزام القيادات البيروقراطية بالقيام بواجباتها ومواجهتها في مكاتبها وعزلها ومحاكمتها فورًا لتقصيرها, فهذا من شأنه أن يوجه غضبة الشعب إلى المسار التصحيحي وليس للاعتصامات وقطع الطرق والتي يسعد بها الفلول ويحولونها كعنصر ضاغط على الرئاسة وليس على المسئولين التنفيذيين.
3- استعداد الكفاءات للمشاركة في السلطة:
فى منظورنا فإن "الجماعة" يجب أن تعمد إلى وجود نوعين من الشخصيات بجوار ما تعنى بها في سائر مجالات الدعوة.
النوع الأول: كفاءات تقنية وسياسية لقيادة الوطن.. إذ ينبغي أن تتقصّد "الجماعة" إعداد وتوجيه الكفاءات المستعدة لقيادة المواقع المختلفة في الوطن، سواء في السلطة التنفيذية أم التشريعية, وفي مختلف مواقع التأثير في المجتمع، وبالتالي "فالجماعة" مسئولة عن إعداد كوادر يصلحون للوزارات والتشريع، بالإضافة إلى سلطات المحافظات والمحليات لإنتاج وتقديم القادرين على المشاركة فى إدارة دفة الوطن من موقع المسئولية، والجميع يشعر بحالة "التجريف" و"الإقصاء" للنايهين من أبناء الوطن طوال العهد البائد، وترك مهمة "تجديد أجيال المسئولية" للظروف، سيأتي حين تكون الممارسات صحيحة والبلد في استقرار، أما في حالتنا حيث تتشبث القوى القديمة بمواقعها وتقاوم أي إصلاح فإن إعداد الكوادر وتنشيطها على مستوى "الجماعة" و"الوطن" يصبح أمرًا لازمًا.
النوع الثاني الذي تحتاجه "الجماعة" فهو "أعمدة الدعوة".. هؤلاء الذين يحافظون على أصالة الدعوة، وتماسك المنظومة، والتشبث بالثوابت، وهؤلاء ينبغي أن يكونوا في "غاية التأهيل"، ولا تسمح "الجماعة" بالتضحية بهم في العمل العام، "فمصر" تحتاج الكفاءات الإخوانية في إدارة شأنها العام كما تحتاج كل الكفاءات المخلصة، و"مصر" أيضًا تحتاج أن تظل "الجماعة" في كامل صحتها وعافيتها لحمل الأمانة ، كما تحتاج لكل الجماعات والمؤسسات المدنية صحيحة متعافية.
ومن هنا فإن الحفاظ على "أوتاد" دعوية متينة ينبغي أن يكون شاغلاً "للإخوان" مهما كانت الضغوط.
----------