كان انطلاق مشروع القراءة للجميع حلمًا راود أعلامًا كثيرين من رواد الثقافة المصرية المعاصرة، استمر جنينًا حتى ولد وشهد النور من نحو عقدين كاملين من الزمان.

ومن الحق أن ننسب هذا الحلم إلى صاحبه الرائد العظيم الأستاذ توفيق الحكيم.

 

وهذا الجانب التاريخي يثير الانتباه نحو واحد من القضايا المهمة التي تقرر أن الثقافة هي قاطرة التنمية وأن المثقفين هم بشائر التنمية وطلائعها.

 

كان الميلاد الذي خرج في تسعينيات القرن الماضي مع تقدير ظهوره الذي كان منتظرًا موصوفًا بعدد من العلامات السلبية يمكن أن نجملها فيما يلي:

 

أولا- بدا المشروع بوقًا ضد حركة تدين المجتمع بدلاً من أن يكون حركة ضد التطرف والغلو والتشدد والمفاهيم المغلوطة وكان مشروع المواجهة مثالاً رديئًا على توظيف المشروع ضد الوجدان العام وضد العقل العام للمصريين.

 

ثانيا- بدا المشروع داعمًا أساسيًّا لأيديولوجية الحكم في النظام الاستبدادي الذي رحل رأسه في 11 فبراير 2011م بعد ثورة من أجل ثورات المصريين.

 

ثالثًا- بدا المشروع آلة إعلامية لخدمة رجال النظام السابق فتحولت عدد من الكتابات الصحفية السطحية إلى كتابات تصور عن المشروع مدفوعة الأجر مقدمًا فتحولت إلى مكافأة من وجهين وجه إعلامي صانع للشهرة ووجه مادي يمثل مصدرًا للكسب والثراء وفي هذا السياق صدرت كتب سطحية وصحفية لأمثال جابر عصفور وجهاد عودة وعمرو عبد السميع وغيرهم.

 

رابعًا- بدا المشروع آلة قوية ترسخ لمفاهيم التبعية، والتغريب للعسكري الأوروبي ثم الأمريكي وبدا كثير من كتب المشروع أدوات في هذا السبيل.

 

خامسًا- بدا المشروع مرآة تحاول أن تجلي وجهًا يساريًّا وعلمانيًّا وحيدًا يصبغ ملامح الثقافة المصرية وبدا الوجه الأصيل الذي يمثل الثقافة الإسلامية غائبًا أو شبه غائب.

 

سادسًا- حاول المشروع أن يموه على الجماهير المصرية المعاصرة ويدلس عليها بما ينشره في سلاسله لبعض الرموز المؤثرة مشعرًا بانتمائها إلي اليسار أو العلمانيين أو التنويريين من أمثال محمود شاكر ومحمد عبده وهذان الاسمان وغيرهما من أعمدة النهضة المعاصرة بروح منتمية إسلاميًّا.

 

وظل المشروع الحلم متخبطًا في حركته تتلبسه هذه العلامات الرديئة الكئيبة وأن صدر عنه في بعض الأحيان القليلة بعض حسنات لا تعد كانت بمثابة نقطة ضوء شاذة في أنهار من ظلام سابغ.

 

وقامت ثورة 25 يناير وعاود المشروع انطلاقته من جديد بما مثل نظريًّا ميلادًا جديدًا لكن الفحص العابر السريع قاد إلى القول بأن العلامات القديمة استمرت كما هي.

 

لقد أعلن على ظهر عنوان من سلاسل الميلاد الجديد بمكتبة الأسرة أسماء اللجنة العليا التي يفترض أنها تخطط لها وتقترح مساراتها فإذا بها مكونة من الأساتذة إبراهيم أصلان ودكتور أحمد زكريا الشلق وأحمد شوقي وطلعت الشايب وعبلة الرويني وعلاء خالد وكمال رمزي ومحمد بدوي ووحيد عبد المجيد وهم جميعًا مثقفون مصريون لكنهم جميعًا من تيارات فكرية وثقافية إن لم تكن ضد الفكرة الإسلامية فهم على الأقل ليسوا من أبنائها وهو ما يؤكد استمرار مجموعة العلامات السابقة مضافًا إليها ما يلي:

 

 أولاً- استمرار حالة الإقصاء العمدي الذي يحمل شبهة جنائية ثقافية إن صح التعبير لكل أصوات التيار الإسلامي بما فيها المعتدل منها.

 

ثانيًا- لقد بدا أن الثقافة المصري ذات ألوان سبعة تبدي من الطيف المصري القديم وتنتهي بالطيف الإسلامي والحديث مرورًا بالوجوه اليونانية والرومانية واليهودية والمسيحية والعربية لكن مشروع القراءة للجميع بدا منتصرًا للوجهين الفرعوني والغربي فقط فتعمد في شبه إصرار إخفاء بقية الوجوه ولا سيما الوجه العربي الإسلامي ذي الحضور الأعلي في تاريخ الثقافة المصرية بامتياز.

 

ثالثًا- استمرار إقصاء رموز التيار الإسلامي في أبواب الأدب والإنسانيات وهي الأبواب التي تشهد الكثافة الإنتاجية له وقد غاب على امتداد عمر المكتبة في إصداريها أي نوع من كتابات حسن البنا وسيد قطب ومحب الدين الخطيب ونجيب الكيلاني وحلمي القاعود وجابر قميحة وأمنية قطب وزينب الغزالي وعبد الحميد الغزالي ومحمد عمارة ويوسف القرضاوي وسعيد رمضان وطارق سعيد رمضان وراشد الغنوشي وغيرهم من كبار مثقفي العصر الحديث.

 

إن الهيئة العامة للكتاب منذ تأسيسها بدت منصرة دائمًا لوجه غير أصيل للثقافة في مصر وهو ما تشهد عليه أسماء السادة الذي تولوا رئاستها ابتداءً بسهير القلماوي وانتهاء بأحمد مجاهد ومرورًا بصلاح عبد الصبور وسمير سرحان وعز الدين إسماعيل.

 

صحيح أن أغلب هؤلاء باستثناءات قليلة جدًّا هم من المثقفين والمبدعين والأكاديميين المرموقين لكنهم لا يمثلون على كل حال الثقافة المصرية التي تعترف بالتنوع المبهر والمبهج والخلاق.

 

وما تزال المكتبة حلمًا مؤجلاً ينتظر الميلاد الحقيقي.

---

كلية الآداب- جامعة المنوفية