لن تتحقق نهضة الأمة سوى بالتمسك بهويتها والسير على طريق المجددين من عظماء الإسلام، وإن المرء ليتفطر قلبه دمًا من حال بعض الدعاة في المؤسسات الدعوية والحركات الإسلامية أو المستقلين منهم ما حدث لهم من حالة الفتور والتراخي في التحرك الناجز، واستثمار الوقت واستغلال فرصة الحرية التي منحها الله إيانا في التحرك الدعوي والانتشار بين ربوع مصر؛ لنشر الرسالة الإلهية التي غابت عن كثير من أبناء أمتنا بعد جهودٍ مضنية من الاستشراق والاستعمار التقليدي وكان من ضمن أهدافه حصر فهم الدين في الشعائر وتنحية القرآن الكريم في التأثير في الحياة وضبط إيقاعها.
العجيب أن هؤلاء الدعاة في عصور الظلم والاستبداد شعلة من النشاط والحركة الدعوية المثمرة، وبعد الثورة انقلبت الأوضاع رغم حاجة الأمة في هذا الوقت بالتحديد للنهوض بالفكر الإسلامي والتصدي للأفكار الوافدة التي تنشط مع الاستبداد وعصور الظلام، وأن تنشر مبادئ الإسلام العميقة، وأن تعيد الثقة لدى الناس في قدرة مبادئ الرسالة الخاتمة على قيادة الأمم والشعوب.
لن تتحقق تلك الأمور سوى بالعودة للمساجد والوجود فيه وجعلها منابر للنهضة وعلامة بناء وتطوير ينشأ فيه الأب المربي، والطالب المتفوق، العامل المتقن، والداعية الصادق الرباني، والعابد العامل، والسياسي المحنك، والقائد الملهم، تدرس فيه العلوم الكونية كما تدرس العلوم الشرعية.
المسجد هو أصدق أداة إعلامية على وجه الأرض لكنه يحتاج إلى رسالة هادئة متوازنة ودعاة تبلغ هذا الرسالة بالرفق واللين والسماحة فوق ما تحمله من حق.
المسجد هو الطاقة الكامنة التي تتحرك من خلالها ملكات العاملين بالنهوض والتقدم.
المسجد هو المحضن التربوي الذي ينمي الأخلاق ويحفظ على الأمة قيمها ويطهر القلوب من تلوث مجتمع اللامبادئ.
المسجد ضمير الأمة النابض وبدونه لا يصل المرء للكثير من معاني الخير الكامنة بداخله.
المجرم والبلطجي والجاهل بحقيقة دينه والمعادي للشريعة والرافض لحاكمية القرآن على الحياة والمتكاسل عن إتقان عمله واللص والمرتشي والفاسد لم ينشأ إلا في بيئة معزولة عن المسجد، وقد يتحمل الدعاة قسطا كبيرًا مما وصل إليه حال هؤلاء لانشغالهم بأنفسهم عن المهمة التي اختارهم الله لها.
إذا ما أردنا أن نبني الأمجاد والمآثر من جديد فلا سبيل أمامنا سوى بالانطلاق في بسط روح الإسلام السمح الباني للقيم والمطهر لفطرة الإنسان من كل دخيل عليها، والمصحح لمساره من الانزلاق في مهاوي الفساد والضلال، والبداية الفعالة تبدأ من المسجد.