لا شك أن أزمة الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرضت نفسها على الساحة في الفترة الأخيرة، ولا شك كذلك أنها أزمة كبرى زلزلت كيان كل مسلم غيور على دينه ومحب لرسوله صلى الله عليه وسلم.

 

ولكنها في الوقت نفسه ليست شرًا مطلقًا لأنها كشفت لنا عن أزمات أخرى حقيقية نعاني منها في مجتمعاتنا المسلمة، ولابد أن ننظر لهذه الأزمات المكتشفة بعين فاحصة ونحاول جاهدين أن نبحث لها عن حلول حقيقية وسريعة حتى نتعلم من الدروس التي نمر بها.. فمن العيب أن نقع في الخطأ نفسه أكثر من مرة.. يقول مالك بن نبي: ''إن فكرنا الإسلامي يعيبه خطأ في المقاييس: نحن نميل إلى المبالغة في تقدير نتائج الأسباب الكبرى وإلى الانتقاص من نتائج (الأسباب الصغرى)، بل وإهمالها".

 

أول هذه الدروس التي يجب أن نتعلمها هو الحكمة في معالجة أمورنا ومشاكلنا وعدم التسرع والنظر إلى الأمور نظرة عميقة كاشفة لكل جوانبها، حتى لا نستنزف طاقاتنا دون الحصول على نتيجة مريحة، لأنهم يريدون أن يستنفذوا طاقاتنا للحيلولة بيننا وبين نهضة حقيقية، فيعتمد في التعامل معنا على طريقة التجميد التي تستخدم في ساحات القتال لتجميد العدو عند نقطة معينة كما يقول المفكر والفيلسوف مالك بن نبي، ويقول أيضًا: "فالاستعمار يتبع في ذلك طريقة تطبق في بعض الألعاب الإسبانية إنهم يلوحون بقطعة قماش أحمر أمام ثور هائج في حلبة الصراع، فيزداد هيجانه بذلك، فبدلاً من أن يهجم على المصارع يستمر في الهجوم على المنديل الأحمر الذي يلوح به حتى تنتهك قواه.

 

الاستعمار يلوح في مناسبات معينة بشيء يستفز به الشعب المستعمر حتى يثير غضبه ويغرقه في حالة شبيهة بالحالة التنويمية التي يفقد معها شعوره ويصبح عاجزًا عن إدراك موقفه وعن الحكم عليه حكمًا صحيحًا فيوجه ضرباته وإمكانياته توجيها أعمى ويسرف من قواه دون أن يصيب بضربة صادقة المصارع الذي يلوح له بالمنديل الأحمر.

 

فليست هذه أول مرة يساء فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنذ بضع سنوات كان الكاريكاتير الساخر الذي صنعه الرسام الدنماركي اللعين وغير ذلك كثير وها هي مجلة فرنسية تنشر مؤخرًا رسومًا مسيئة للرسول الكريم أيضًا، هذا بالإضافة إلى أن الإساءة للإسلام لا تنقطع.. وفي الماضي تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لأنواع كثيرة من الأذى وكان أشد ما تعرض له حادثة الإفك ومع ذلك عالج القرآن الموقف بحكمة عظيمة وعالج الرسول الموقف أيضًا بحكمة بالغة ولما انتهت الأزمة تبين للمجتمع المسلم ما حملته هذه الأزمة من الخير للمسلمين، (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 11).

 

الدرس الثاني: إذا كان أعداء الإسلام يصنعون مثل هذه الأزمات لتنفير شعوب العالم غير المسلمة من الإسلام اعتمادًا على ردود بعض الأفعال غير المسئولة من بعض المسلمين.. فيجب أن نقلب السحر على الساحر ونتخذ مثل هذه الأزمات وسيلة لنشر ديننا الإسلام الحنيف بالحكمة والموعظة الحسنة وأن نجادلهم بالتي هي أحسن كما علمنا القرآن.. ونفضح كذبهم وافتراءاتهم بإظهار الصورة المشرقة للإسلام.

 

الدرس الثالث: إن هذه الأزمة كشفت عن ضعف الخطاب الديني في المجتمع وعدم أهلية كثير من الدعاة لحمل رسالة الإسلام الصحيح فلابد للدعاة أن يخرجوا من الدوائر الضيقة للموضوعات التي يحدثون فيها الناس وينشروا الفضائل والأخلاق والقيم في المجتمع.. هذا الجانب المشرق من الإسلام هو الذي يجب أن تصرف إليه الهمم وأن يحمله الدعاة للمجتمع.

 

وكذلك كشفت هذه الأزمة عن عدم أهلية بعض الدعاة لحمل أمانة الدعوة وأظهرت أنهم يحرصون على الشو الإعلامي أكثر من حرصهم على التفاعل مع قضايا المسلمين فتراهم في مثل هذه الأزمات يهربون من الحديث فيها حتى لا يغضب منهم أحد وحتى لا يفقدوا بعض جمهورهم الذي تعبوا في جذبه.. فهؤلاء لا يدورون مع الحق حيث دار.. وإنما يلوون عنق الحقيقة لتخدم مصالحهم.

 

الدرس الرابع: كذلك أظهرت هذه الأزمة أننا نستطيع أن نمنع مثلها في المستقبل إذا اتخذنا مواقف إيجابية صحيحة في مواجهتها وإذا حولناها لصالحنا وعلى قدر ردود أفعالنا المنضبطة المؤثرة تجاه أي أزمة تواجهنا ستكون نظرة المجتمعات الأخرى لنا نستطيع أن نواجههم بالعقل والمنطق ونستطيع أن نوجعهم بلا ضجيج وبفاعلية، فنحن نملك الكثير من الوسائل الموجعة لأعدائنا ولكننا لا نحسن الاستفادة منها.

 

الدرس الخامس: كذلك كشفت الأزمة عن أزمة كبرى أخطر وأعمق وهي أزمة عدم توحد العالم الإسلامي وتشرذمه فلا يستطيع المسلمون أن يتحدوا في مواجهة أي خطر يحدق بالإسلام وكأنهم غير معنيين بالإسلام.. أو كأن أمر دينهم شيء هامشي في حياتهم، والغرب يعلم هذه الحقيقة عن المسلمين فيجب أن نغير هذه الواقع ونعود أمة واحدة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.. وأن يكونوا يدًا واحدةً كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلمون يد واحدة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم".

 

الدرس السادس: وكذلك كشفت هذه الأزمة عن بعض خفافيش الظلام الذين لا يصطادون إلا في الماء العكر ويستغلون أي أزمة لنشر الفوضى وبث السموم في المجتمع.. وخير شاهد على ذلك بعض من كان يتظاهر ضد الفيلم المسيء للرسول ويقوم بالشتم وسب الدين فيا للعجب كيف يدافع عن رسول الله من يسب دين رسول الله.. أم أن هؤلاء مأجورون لإشاعة الفوضى وخلق الاضطرابات في المجتمع.

 

إننا إذا تعلمنا هذه الدروس من تلك الأزمة فلاشك أننا سنسير في الطريق الصحيح.. وصلى الله عليك يا رسول الله فأنت مصدر الخير لأمتك في كل شيء.. وكل أمر يتعلق بك يجعله الله بركة لأمتك.. فطبت حيًا وميتًا يا رسول الله.