- استهلال:
يقول الله تبارك وتعالى: "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ" (البقرة: 276)، ويقول سبحانه وتعالى: "وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ" (الروم: 39).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إذا انتشر الزنا والربا في قرية أذن بهلاكها" (رواه الترمذي).
يستنبط من هذه الآيات والأحاديث أن التعامل بالربا يؤدي إلى المحق والهلاك وأن إيتاء الزكاة يحقق البركة والنماء، وهذه حقائق ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان.
ويثار الآن جدل حول حكم القروض بفائدة سواء أكانت هذه القروض محلية أو خارجية، وسواء أكانت لتمويل عجز الموازنة أو لشراء الحاجات الأصلية للمعيشة؟ وهل هناك بدائل مشروعة لها؟، وهذا ما سوف نتناوله في هذه المقالة إن شاء الله.
- الحكم الفقهي للاقتراض بفائدة:
حرم الدين الإسلامي وكذلك كل الأديان السماوية فوائد القروض والديون وما في حكمها سواء كانت الفائدة بسيطة أو مركبة، وسواء كانت القروض استهلاكية أو إنتاجية، وسواء كانت بين الأفراد أو بين الدول أو بين المؤسسات، والعلة في ذلك أنها من صور أكل أموال الناس بالباطل وتقود إلى الظلم الاجتماعي وإلى فساد الأخلاق وإلى المساس بالحريات وبالكرامة الإنسانية كما أنها تعوق النمو الاقتصادي، ويقول علماء الاقتصاد الوضعي التقليدي أنها من بين أسباب الأزمات المالية والاقتصادية، ويستطردون القول بأنه لا تتحقق التنمية الفعلية إلا إذا كان سعر الفائدة صفرًا، وصدق الله القائل: "يمحق الله الربا" (البقرة: 276).
ومن أدلة الحكم الفقهي لتحريم الربا ما يلي:
- من الكتاب: قول الله تبارك وتعالى: "وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا" (البقرة: 275)، وقوله عز وجل: "وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ"(النساء: 161).
- ومن السنة: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كل قرض جر نفعا فهو ربا" (رواه الأمام أحمد)، وقوله: "لعن الله أكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه" (البخاري ومسلم)، وقوله في خطبة حجة الوداع: "كل ربًا موضوع، وربا الجاهلية موضوع، وربا عمر العباس موضوع" (رواه مسلم).
- ومن الفقه: هناك فتاوى عديدة لتحريم فوائد القروض والديون والبنوك نذكر فيها على سبيل المثال فتوى مجمع البحوث الإسلامية في مصر سنه 1965 والتي ورد بها ما يلي:
1. الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.
2. كثير الربا وقليله حرام، كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَة وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (آل عمران: 130).
3. الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.
4. أعمال البنوك من الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات الداخلية التي يقوم عليها العمل بين التجار والبنوك في الداخل كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة، وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من الربا.
5. الحسابات ذات الأجل، وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة.
هذا ما انتهى إليه "مجمع البحوث الإسلامية" في مؤتمره الثاني من قرارات وتوصيات بشأن المعاملات المصرفية، المؤتمر الذي ضم أعضاء مجمع البحوث وأعضاء الوفد الذين اشتركوا في هذا المؤتمر وكان عددهم يتجاوز 83 فقيهًا وعالمًا.
- حكم الضرورة للتعامل بالربا:
لقد وضع الفقهاء ضوابط شرعية للضرورة التي تجيز التعامل بالربا والتي تتمثل في الآتي:
- يشترط أن تكون الضرورة ملجئة بحيث يجد الفاعل نفسه أو غيره في حالة يخشى منها التلف على النفس أو الأعضاء، وقد ترقى الحاجة إلى منزلة الضرورة التي أدت إلى مشقة لا تحتمل طويلاً.
- يشترط أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة، فليس للجائع أن يأكل الميتة قبل أن يجوع جوعًا شديدًا يخشى منه على نفسه، وليس للمقترض أن يقترض بفائدة بدون ضرورة قائمة.
- ألا يكون لدفع الضرر وسيلة إلاّ ارتكاب هذا الأمر، فلو أمكن دفع الضرورة بفعل مباح، امتنع دفعها بفعل محرم، فالجائع الذي يستطيع شراء الطعام ليس له أن يحتج بحالة الضرورة إذا سرق طعامًا.
- أن تكون قد سدت كل السبل الحلال المتاحة والوصول إلى مرحلة الضرورات لتطبيق القاعدة الشرعية: "الضرورات تبيح المحظورات"، ولا ترفه ولا تنزه في الضرورة.
وعلى ولي الأمر الرجوع إلى أهل الحل والعقد من الفقهاء والاقتصاديين للتحقق من هذه الضوابط، وبصفة خاصة توافر القاعدة الشرعية التي تقول: "الضرورات تبيح المحظورات"، فإذا كان هذا القرض لتمويل الحاجات الأصلية الضرورية للإنسان من طعام وشراب وعلاج ومأوى، وسدت أبواب الحلال والدولة في أزمة مالية تسبب مشقة لا تحتمل، ففي هذه الحالة: ليس هناك من حرج شرعي في الاقتراض بفائدة لحين انفراج الأزمة، وفقًا لقول الله عز وجل: "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه" والسؤال المتواتر هو: ما هو البديل المشروع للاقتراض بفائدة؟
عندما يحرم الله معاملة يوجد البديل الحلال، ولقد اجتهد فقهاء وعلماء الإسلام في بيان البدائل والتي يضيق المقام لعرضها وحسبي في هذا المقام أن أتناول أحد هذه البدائل وهو تطبيق نظم الزكاة والصدقات والوقف الخيري وبيان دورهما في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية وهذا ما سوف نتناوله في البند التالي.
- تقنين الزكاة من أبواب الحلال للاستغناء عن القروض الربوية:
من الإعجاز المالي والاقتصادي في القرآن والسنة النبوية الشريفة أن الله سبحانه وتعالى قد قرن حرمة التعامل بالربا بفرضية الزكاة بمعنى أنه عندما حرم شيئًا ما قد شرع البديل الحلال له، وهذا واضح في قول الله تبارك وتعالى: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا"(البقرة: 275)، وقال تعالى: "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ" (البقرة: 276).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة" (متفق عليه)، ويقول عليه الصلاة والسلام كذلك: ".... ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلاّ منعوا القطر من السماء ولو لا البهائم لم يمطروا..... الحديث" (رواه ابن ماجه والبزار والبيهقي)، وقوله في حديث اجتنبوا السبع الموبقات .. ذكر منها: "أكل الربا وأكل مال اليتيم ... الحديث" (رواه البخاري ومسلم).
واستنباطًا مما سبق تعتبر زكاة المال وصدقة الفطر والصدقات التطوعية والصدقات الجارية وما في حكم ذلك من أبواب الحلال المشروعة التي يمكن الاعتماد عليها كبديل للاقتراض بفائدة.
ولا يعني ذلك في الأمد القصير إلغاء نظام الضرائب بل الإبقاء عليه ولكن إصلاحه وفقًا للمبدأ الإسلامي: "أن تؤخذ بالحق وتنفق بالحق وتمنع من الباطل" ويتم التنسيق بين نظام الزكاة والضرائب بما يحقق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ويتساءل كثير من الناس كم تقدر حصيلة الزكاة والصدقات المتوقعة في مصر؟ هناك دراسات عملية عديدة في هذا المجال تمت في جامعة الأزهر منها ما سوف نتناوله في البند التالي.
- تقدير موارد الزكاة والصدقات في مصر:
بحسبه بسيطة جدًا بعيدة عن التعقيدات يمكن تقدير قيمة الزكاة والصدقات والإعانات الاجتماعية على المستوى القومي في مصر على النحو التالي:
- لو فرض أن حجم الأموال الزكية الظاهرة التي تجب فيها الزكاة من ثروة نقدية وتجارية وصناعية وزراعية وحيوانية ونحو ذلك من الأموال الزكوية.3000 مليار جنيه.
- مقدار زكاة المال الواجبة في المتوسط 2.5% 75 مليار جنيه.
- يضاف صدقة الفطر وتقدر 10 مليار جنيه.
- يضاف الصدقات التطوعية والجارية وتقدر 10 مليار جنيه.
- يضاف موارد أخرى وتقدر 5 مليار جنيه.
إجمالي تقديرات الزكاة والصدقات 100 مليار جنيه.
هذا المبلغ سنويًّا يمكن أن يساهم في تحقيق العدالة الاجتماعية لفئة الفقراء والمساكين واليتامى والمعاقين وتشغيل العاطلين ونحوهم ويغنينا عن الاقتراض بفائدة من أجل الضروريات والحاجيات للفقراء والتي سوف توفر من حصيلة الزكاة والصدقات، وصدق الله العظيم القائل: "يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ" (البقرة: 276).
- حصيلة الزكاة والصدقات تغنينا عن القروض الربوية:
لو فرض وأنه أنشأت موازنة مستقلة للتكافل الاجتماعي بعيدة عن الموازنة العامة، وخصصت هذه الموازنة لدعم الضرورات والحاجيات لمن هم دون حد الكفاية مثل الطعام والشراب والكساء والمأوى والعلاج والتعليم ولا يستفيد من هذه الموازنة الأغنياء ورجال الأعمال ومن في حكمهم، يمكن باليقين أن نؤكد أنه بعد بضع سنوات سوف نعالج مشكلة الفقر والعوز، كما سوف نستغني عن القروض بفائدة التي تسبب المحق.
وفي صدر الدولة الإسلامية نماذج عملية تؤكد أنه عندما حصلت الزكاة بالحق، وأنفقت بالحق، ومنعت من الباطل، فاضت الحصيلة ولم يجدوا فقيرًا ولا مسكينًا، فقد أرسل سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه جزءًا من حصيلة الزكاة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال لم نجد فقيرًا لنعطيه الزكاة، وحدث نفس الأمر في عهد عمر بن العزيز رضي الله عنه، وفاضت حصيلة الزكاة، فأمر أن تستخدم في تسديد ديون المدينين وفي تزويج الشباب.
وفي شهر رمضان المبارك في كل عام تزيد حصيلة الزكاة والصدقات ويعم الخير على الفقراء، ويكون شهرًا بدون فقر ويتمنى الفقراء أن تكون شهور السنة كشهر رمضان.
وخلاصة القول أنه لو طبقت فريضة الزكاة وكذلك نظام الوقف الخيري ونظام الكفايات ونحو ذلك من الحقوق المشروعة في مال المسلم يمكن الاستغناء عن القروض الربوية وتتحقق البركات وصدق الله القائل: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" (الأعراف: 96)، وقوله عز وجل: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ" (البقرة: 278-279).
ألم يأن لولى الأمر أن يقنن فريضة الزكاة على الأفراد والشركات ورجال الأعمال ومن في حكمهم للمساهمة في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية ونستغني عن القروض الربوية والمساعدات المشروطة التي فيها مساسًا بالسيادة والإرادة!.
-------------------
* الأستاذ بجامعة الأزهر- خبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية