(يجب أن تضع الحكومة عددًا قليلاً من الأهداف وتركز عليها)
كانت هذه إحدى الجمل الرنانة في أحد اجتماعات وزير الشباب الدكتور أسامة ياسين مع عدد من الخبراء حسب ما نُشر على المواقع الإلكترونية، كانت الجملة تعكس أمرًا غاية في الخطورة، وأسلوبًا في العمل والتفكير نحتاجه الآن أكثر من أي وقت مضى، أسلوبًا نحتاج إليه بقدر رغبتنا في الحرص على النجاح ، ورغبتنا في كسب ثقة الناس، وتحقيق الآمال التي أوكلوها إلينا.
نحن في حاجةٍ الآن أكثر من أي وقت مضى إلى تحديد ألأهداف بدقة وعناية، ثم تحديد أفضل السبل والوسائل لتحقيقها في أقل وقت ممكن وبأقل تكلفة ممكنة، ونسبة مشاركة معقولة من الجماهير.
نحن في حاجة ماسة الآن إلى التركيز على عنصر هام وحيوى في العملية الإدارية، إلا وهو: "التخطيط"
لقد كان جمال الجملة التي تحث على وضع ألأهداف والتركيز عليها، أنها لم تتحدث فقط عن فكرة التخطيط ، بل كانت تتحدث أيضًا عن مبدأ هام ورائع لابد أن تضعه أي منظومة إدارية في مقدمة تفكيرها، ألا وهو مبدأ "تحديد الأولويات"، الأولويات المناسبة للمرحلة الحالية سواء على مستوى الخدمات أو الأفكار أو القيم أو السياسات، خصوصًا بعد التحول الفجائي والرهيب من حالة التضييق الشديد الذي كان يحدد أعمالاً أو مجالات بعينها للعمل، إلى حالة الانفتاح الواسع الذي يصل بالبعض أحيانًا إلى التشتت، وتبعثر الجهود نتيجة للحماس نحو العمل في اتجاهات متعددة.
إن أي منظومة ناجحة أو أرادت لنفسها النجاح، ينبغي أن تترد في جنباتها كلمة التخطيط؛ حيث يصبح التخطيط كمفهوم أمرًا مستقرًا وبديهيًّا يقتنع الجميع أنه لا يمكن سير العمل بنجاح إلا به، وأن عدم أخذ الأمور بهذه الطريقة يعني أن المنظومة تسير في اتجاه آخر غير اتجاه ما تريده من نجاح.
لماذا الحاجة إلى التخطيط؟
في الظروف الطبيعية تصبح الحاجة إلى التخطيط أمرًا بديهيًّا للوصول للنجاح، وفي ظروف قاسية كالتي نعيشها الآن تصبح الحاجة إلى التخطيط أمرًا حتميًّا، عدم أخذه بجدية يعني توقع المشكلات وتعقد الأمور أكثر مما هي معقدة.
إننا نحتاج إلى التخطيط بصورة ماسة الآن للأسباب الآتية:
1- الوقت ضيق والأيام تمر بسرعة والناس يداعبها الأمل كل يوم أن تتحسن الأحوال وترى وضعًا أفضل حتى وإن كان طفيفًا.
2- يوجد حالة تربص شديدة من المعارضة لالتقاط أي خطً والعمل عليه لكسب نقاط منا كخصم سياسي (من ناحية)، وتآمر النظام القديم والمستفيدين منه على إفساد أي خطة للإصلاح من ناحية أخرى.
3- تعدد اتجاهات العمل لدينا وتكاثرها بصورة رهيبة تفقد التركيز، وتجعل العيون والأذهان مشتتة، بما يدفعنا للعمل في اتجاهات كثيرة وفي وقتٍ واحد، وهو ما يمنع تحقيق نجاح ملحوظ برغم كم الجهد المبذول.
4- لعبة الإعلام التي ينجح فيها دائمًا، أن يتجاهل كل الجهود المبذولة، ويركز على المشكلات ويضخمها، ويلتقط معها الأخطاء ويعظمها، ولا أظن أن هناك ردًّا قويًّا ومؤثرًا على ذلك إلا بإنجازات حقيقية على أرض الواقع، وساعتها سينكشف الإعلام أمام الناس.
ما التخطيط؟
في أحد تعريفاته البسيطة يُعرف التخطيط بأنه: عملية تضع فيها أهدافك، في برنامج عملي قابل للتنفيذ، بعد أن تحدد صورة واضحة للمستقبل، وهو ما يطلق عليها (الرؤية)، بحيث تحدد الأولويات ثم يتم التعامل مع الزمن والإمكانات المتاحة.
وفقًا لهذا التعريف فمن المنطقي أن نصل إلى أربع نقاط إذا أردنا إلى نصل إلى إجراء عملية تخطيط حقيقية وناجحة، وهذه النقاط هي:
1- وضع رؤية سليمة للمستقبل، رؤية قادرة على الإجابة على أسئلة:
ماذا نريد أن نفعل؟، وأين نحن الآن مما نريد؟ وما المعوقات التي ستقابلنا في الطريق؟ وما وسائل التغلب عليها؟
2- أن نكون قادرين على إصابة الأهداف بدقة، طبقًا لنظرية الأولويات الشهيرة في الإدارة، ثم نقوم بالتركيز عليها بكل قوة حتى يظهر الإنجاز للناس بصورة ترضي قطاعًا كبيرًا منهم (من الأولويات مثلاً: تفادي تكرار الأزمات التي تمس المعيشة اليومية للمواطن مثل الغاز والسولار والخبز خصوصًا، مع معرفة من يحاول دائمًا أن يتلاعب بهذه الملفات بين الحين والآخر).
- أن يكون هدفنا إستراتيجيًّا قدر الإمكان، وأن نعمل على الأهداف البعيدة بصورة أساسية أكثر من الأهداف القريبة والوقتية، وعلى الحلول الجذرية والعميقة لا السطحية.
إن طريقة الأعمال الوقتية، تريح الناس ساعة، ولكنها سريعًا ما يزول أثرها لتقفز الى ذهنهم مشاكلهم الدائمة واليومية (مثال:
ملة تطوير التعليم التي أطلقها حزب الحرية والعدالة حققت الهدف البعيد (الإستراتيجي)، وستحقق في حالة نجاح الحملة بإذن الله، الحل العميق والجذري لا السطحي، وسيظهر الإنجاز الملموس والدائم، وسنكسب ثقة قطاع عريض من الناس).
4- أن يوضع جدول زمني دقيق لتنفيذ الأهداف.
إلى أين نتجه بالتخطيط الآن؟
إذا كان من الطبيعي والمطلوب والضروري أن يحدث الانسجام والتناغم بين الرئاسة والحكومة وحزب الحرية والعدالة والقوى الوطنية القريبة منه وبين قطاع ليس بقليل من الشعب المصري؛ لذا فإنه من الطبيعي والمطلوب والضروري أيضًا أن يسير الجميع في اتجاه واحد لا اتجاهات عدة، حتى يتحقق إنجاز ملموس في أقل وقت، ما يعطي الناس الأمل، ويمهد لإنجازات أخرى في الطريق، ويخفف حدة الاحتقان والمطالب تدريجيًّا.
وإذا كان للثورة مراحل، ونحن بفضل الله قد وصلنا بها إلى مرحلة جيدة وهي مرحلة "بناء المؤسسات"، وهي مرحلة تشمل تطهير هذه المؤسسات من الفساد من ناحية، وتطوير أدائها من ناحية أخرى، فإنني أرى أن يسير الحزب والقوى والوطنية والقطاعات الإيجابية من الشعب في هذا الاتجاه؛ وذلك عن طريق معرفة اتجاهات الحكومة وخططها، ثم التنسيق معها على كيفية مساعدتها والدفع بخططها إلى التقدم بسرعة وبمشاركة الشعب نفسه في هذه العملية.
هذه الطريقة قد تكون بطيئة ولكنها مؤثرة للغاية وموجعة جدًّا لكل من يريد تعطيل مسار الثورة وافتعال الأزمات والرغبة في إفشال التيار الإسلامي أو أي خطة إصلاح، وستقدم حلولاً جذرية سيشعر بها الناس جميعاً بإذن الله.
بدون هذه الطريقة وفي وجود ضغط متواصل من الشارع واتجاهات شتى للعمل، سنفتقد إلى التركيز، وسندفع للسير في اتجاهات فرعية مجهدة، ولكن أثرها سيزول سريعًا، وسنصحو كل فترة على أزمة جديدة.
والعمل على هذه الأهداف البعيدة، لا يعني أن نتوقف عن أعمال ناجحة ودورية اعتدنا عليها واعتادها الناس منا، ولكن الأفضل أن نخفف من هذه الأعمال لصالح أهداف إستراتيجية قادرة على أن تصلح من شأن المؤسسات وتطور أدائها.
إن هناك الكثير من الأفكار التي تطرأ على أذهاننا والتي يقترحها علينا غيرنا، وتنفيذ كل هذه الأفكار دفعة واحدة يتطلب جهدًا كبيرًا، سنجد أننا نحتاج إلى أن ندخر جزءًا منه، إذا تحركنا جميعًا في اتجاه أهداف كبرى وبعيدة.
مطلوب إذن أن نحدد السياسات العامة لعملنا والأهداف الرئيسة الكبرى له، ثم نحاول توجيه كل الأعمال والأفكار والاقتراحات في هذا الاتجاه بقدر الإمكان، بصورة توازن بين تحقيق الأهداف ومشاركة الناس والتدخل لحل المشكلات الحساسة.
فلنتوقف قليلاً ونناقش معًا فكرة التخطيط، فربما ساعات قليلة من التفكير، تخفف عنا عناء شهور من العمل، وتحمل عن كاهل الناس سنوات من المعاناة. والله المستعان.
-----------------