- استهلال:

يعاني اقتصاد مصر خلال الثلاثين عامًا الماضية وما يزال من أمراض مزمنة يتوارثها جيل بعد جيل، منها: مشكلة الفقر ومشكلة البطالة ومشكلة الدعم ومشكلة عجز الموازنة ومشكلة الدين، ومن أهم أسباب هذه المشكلات في نظر علماء الاقتصاد الإسلامي انتشار الفساد وعدم الالتزام بفقه الأولويات (الضروريات فالحاجيات) والقرارات الاقتصادية الموجهة لنفع الأغنياء، ومنهم رجال الأعمال وليس الفقراء والمعدمون.

 

ولقد أثير الجدل في هذه الأيام  نحو إعادة هيكلة دعم الطاقة وترشيد توجيهها إلى مستحقيها بالحق، ومنع أن يستفيد منها بدون حق رجال الأعمال الأغنياء، ولقد قدم كل تيار اقتصادي سياسي رؤيته نحو هذه القضية، ولفقهاء وأساتذة الاقتصاد الإسلامي رؤيتهم التي تقوم على المعايير الشرعية الآتية:

 

- معيار دعم الطاقة للفقراء ضرورة شرعية:

لا يجب على الإطلاق على أي حكومة المساس بالدعم المخصص للطبقة الفقيرة ذات العلاقة بالحاجات المعيشية لهم، ومنها: البوتاجاز والكهرباء المنزلية، ولكن يمكن ترشيده باستخدام أساليب جديدة، منها على سبيل المثال نظام الكوبونات أو بطاقات الدعم الاجتماعي؛ بحيث تصل إلى المستحقين فقط.

 

- معيار دعم الطاقة للمشروعات الصغيرة والمتناهية في الصغر:

من أهم الأساليب العملية والسريعة لمعالجة مشكلة البطالة، ولا سيما في الأقاليم والمدن الصغيرة والقرى، نظام المشروعات الصغيرة والمتناهية في الصغر؛ وذلك لدعمها لعدد معين من السنوات (فرضًا 5 سنوات)؛ لذلك من الموجبات الشرعية والاقتصادية والاجتماعية دعم الطاقة التي تسخدمها هذه المشروعات بنظام بطاقة الدعم.

 

- معيار الرفع التدريجي للطاقة الموجهة إلى الشركات والمصانع الكبيرة:

من السفه في قرارات الدعم أن يستفيد منه رجال الأعمال الكبار؛ لأن هذا يخرج عن المقاصد المشروعة للدعم، ومن المنظور الاقتصادي أن تكلفة الطاقة تدخل ضمن تكاليف ومصروفات هذه الشركات قبل الوصول إلى وعاء الضريبة، ولذلك سوف لا تتأثر كثيرًا برفع الدعم عنها بل يدعوها إلى الترشيد.

 

- معيار رفع الدعم تدريجيًّا الموجه إلى المشروعات الكمالية:

هناك مشروعات يوجه إليها دعم الطاقة، ولكن نعمل في مجال الكماليات والترفيات والمظهريات، منها على سبيل المثل: مشروعات المهرجانات والمسارح والسينما والنقل الفاخر وغيرها، يجب رفع الدعم عنها؛ لأن أغلب المنتفعين منها من علية القوم، ويستطيعون تحمل تكلفة رفع الدعم، وسوف لا يتأثر الفقير الذي لا يجد رغيف الخبز أو ثمن الدواء بمنافع تلك المشروعات.

 

- معيار ضوابط ترشيد الطاقة في المصالح الحكومية والمرافق العامة:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما عال من اقتصد"، ويجب أن يطبق هذا الحديث في استهلاك الطاقة، ولا سيما الكهرباء في المصالح الحكومية والمرافق العامة، ولكنَّ هناك إسرافًا شديدًا لضعف الوازع الأخلاقي والوطني، وهذا يحتاج إلى توعية؛ لأن الإسراف في استخدام الطاقة في هذه الأماكن هو اعتداء على المال العام يأثم من يفعله.
- معيار التدرج في إعادة هيكلة نظام دعم الطاقة:

 

تدخل قضية ترشيد الطاقة وهيكلتها في نظام الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي؛ الذي يطبق عليه مبدأ التدرج وفقه الأولويات؛ حتى لا يترتب على ذلك خلل في المجتمع وفتنة ومظاهرات واعتصامات وتطببيق القاعدة الشرعية "لا ضرر ولا ضرار"، و"أخف الضررين"، و"الضرر يزال"، وهذا يتطلب من متخذي القرار أن يدرسوا القضية من جميع جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحالة الدولة، ولا يجب أن ينظر كل وزير إلى القضية من وجهة نظره فقط، كما يجب استشارة أهل الحل والعقد والخبرة والحنكة والبصيرة.

 

توصيات لضبط وترشيد دعم الطاقة:

من أهم هذه التوصيات ما يلي:

- الاهتمام بالجانب الأخلاقي والسلوكي لمستهلكي الطاقة وترسيخ مبدأ أن ترشيد الطاقة ضرورة شرعية وحاجة إنسانية وواجب وطني.

 

- تطبيق قاعدة أن يعطى دعم الطاعة بالحق لمستحقيه، ويمنع من الباطل بأن يعطى لغير مستحقيه.

 

- تطبيق فقه الأولويات لدعم الطاقة والذي يتمثل في الضروريات ثم الحاجيات ويمنع من الكماليات.

 

- التدرج في ترشيد وإعادة هيكلة الطاقة لتجنب الخلل والفتنة. 

 

                                               والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

------------------------

* الأستاذ بجامعة الأزهر والخبير الاستشاري في المعاملات المالية الشرعية

WWW.Darelmashora.com

E.mail.Darelmashora.com