ن. م- مصر:

أعمل طبيبة ومتزوجة منذ 25 عامًا من زميل لي في نفس الكلية، وأنجبت بنتين وولدًا، ومن أول يوم في الزواج اكتشفت أنه عصبي ويثور لأتفه الأسباب، ولكنني تحملت، خاصةً أنني من عائلة لا تفضل الطلاق، وتحملت حتى تخرَّج الأبناء في الجامعة وتزوجت البنات، وحاليًّا أفكر في الانفصال، وخاصةً أني مريضة بسبب النكد الدائم لي، ولكن أخشى من كلام الناس لانفصالي في هذه السن؛ فماذا أفعل؟!

 

* تجيب عليها ورود الخطيب- استشاري اجتماعي في (إخوان أون لاين):

أختي الفاضلة لا شك أن من أعظم نعم الله علينا أن البيت هو المأوى والسكن تلتقي نفوسنا في ظله على المودة والرحمة والحصانة والطهر مع كريم العيش والستر.

 

في بيوتنا ترتبط النفوس بالنفوس وتتعانق القلوب بالقلوب يقول الله- عزَّ وجل-: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)، ولكن واقع الحياة وطبيعة البشر قد تخلق حالات لا تتجسد فيها المودة والرحمة فيصبح التمسك برباط الزوجية عنتا ومشقة، ومن هذه الحالات ما ذكرت أختي الكريمة فعندما تلاقي المرأة من زوجها جفوة أو أعراضًا أو سوء معاملة فإن القرآن الكريم يرشدنا إلى العلاج يقول الله- جل وعلا-: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير"، فالعلاج هنا يكون بالمصالحة والصلح وليس بالطلاق.

 

إن الصلح خير من الشقاق والجفوة؛ لأن هدم البيوت المسلمة هو أعظم الأمور على الإطلاق يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرَّقت بينه وبين أهله فيدنيه منه ويقول: نعم أنت أنت" (رواه مسلم).

 

فلنستوحي من تلك الآية ومن هذا الحديث إذًا حلاًّ لهذه المشكلة فإذا كان الله قد ابتلاكِ بزوجٍ عصبي المزاج فلتعطي نفسك فرصةً تتناسين ما فات وتتجاهلينه، وبدايةً تمسكي بهذه المفاتيح التالية، ولتكن هذه الفرصة ستة أشهر تحاولي خلالها أن تفتحي بهذه المفاتيح قلب زوجك وعقله علَّ الله يُحدث بعد ذلك أمرًا.

 

المفتاح الأول:

- ابحثي في زوجك عن صفاته الإيجابية فإذا كان عصبي المزاج مؤذيًا في كلامه فقلما يخلو المرء من صفات إيجابية عددي صفاته الإيجابية لنفسك مرارًا وتكرارًا فقد يكون زوجًا كريمًا أو أبًا حنونًا أو متعاونًا أو غير ذلك من الصفات التي تُحسب له.. عدديها خاصةً عندما يثور أو يغضب وذكري نفسك بتلك الإيجابيات.

 

المفتاح الثاني:

الدعاء بل شدة الدعاء والإلحاح على الله- عزَّ وجلَّ- فنحن نذكر الله حين نغضب من أزواجنا فنشكوهم لله ولكننا ننسى ذلك الدواء العجيب الدعاء الذي يفتح الله به القلوب ويغير الأحوال فالله بيده خزائن السموات والأرض يحب من عباده اللحوح في الدعاء، فسلي الله صباحًا ومساءً عسرًا ويسرًا فرحًا وحزنًا أن يصرف عنكما شياطين الإنس والجن، وأن يسعدكما، وأن يستر عليكما في الدنيا والآخرة، ويؤلف بين قلبيكما على الخير، وادعي الله له أن يقوي إيمانه ويطهر قلبه ويخسأ شيطانه.

 

ادعي الله وأنت موقنة بالإجابة، ممتلئة بالثقة بالله عز وجل، رددي دائمًا يا رب سخِّر لي زوجي، وافتح بيني وبينه بالحق وأنت خير الفاتحين.

 

المفتاح الثالث:

الصبر أختي الحبيبة عليك بالصبر على أذاه تقربا إلى الله وحفظًا لأولادك وإكرامًا لبناتك أمام أزواجهن وأملاً في إصلاح زوجك، اعملي على ألا تصنعي ما يغضبه وتجملي عند ثورته بالهدوء وابتعدي خلال هذه الفترة عن أي نقاشات أو خصومات، واذكري قول الشاعر

 

خذي العفو مني تستديمي مودتي   ولا تنطقي في سورتي حين أغضبُ

 

وتذكري أن التوتر وكثرة الكلام والحركة أو البكاء أو إظهار الضعف والخوف تزيد من عصبية الزوج وحدة غضبه لا تقفي بخنوع وذل بل بثباتٍ وهدوءٍ وصبر وتجنبي الدخول معه في مناقشات حادة بل ودعيه حتى يهدأ ثم تكون رد فعلك المملوء بالعطف والهدوء حتى تمتص جزءًا من غضبه.

 

المفتاح الرابع:

لا تفكري في هذه الفترة بالطلاق فلا ترد هذه الكلمة على لسانك أو في ذهنك إطلاقًا، بل كلما رأيت شدة وضيقًا التفتي إلى زوجك لا عنه، اجعليه أمامك لا خلف ظهرك، ولا تنسي أن أولادك وإن كبروا سيشعرون بالحزن والخزي لفراقكما.

 

المفتاح الخامس:

اهتمي اهتمامًا بالغًا بمظهرك في هذه الفترة فقومي بالتجمل دائمًا، البسي أجمل ثيابك، وتعطري بأطيب العطور، واجعلي منزلك نظيفًا مرتبًا هادئًا تفوح منه أجمل الروائح، وأعدي ما يحبه زوجك من أطعمة، وفي هذا تأثير بالغ على نفسيتك ومعنوياتك، إذ يمنحك دفعة معنوية لازمة، إضافةً إلى التأثير الطيب على زوجك بإذن الله.

 

وأخيرًا.. أختي الفاضلة إذا مرَّت هذه الفترة ووجدت أن معاناتك كما هي، وأنك لا تطيقين عشرته فلا أحدَ يستطيع أن يسلب حق المرأة المسلمة في الانفصال عن زوجها إذا كرهته ولم تعد تستطيع تحمله يظل الطلاق حلاًّ يبيحه الشرع مع قسوته وصعوبته وتأثيره الفادح على الزوجين وعلى الأسرة كلها فإذا وصلت لنتيجة ألا أملَ في التفاهم من جديدٍ فإن شرع الله لا يخجل ولا يخيف وقد أعطاك الله الحق في الطلاق، لكن فقط أدرسي تبعات هذا الطلاق عليك وعلى أسرتك فربما وجدت أن الصبر والتحمل سيكون أهون كثيرًا من حمل تبعات هذا الطلاق بعد هذه العشرة الطويلة وفقك الله وأعانك وألهمك القرار الرشيد والصبر.

 

وإليك هذا الدعاء عسى الله تعالى ينفعنا به وإياك "اللهم اعتق رقابنا من النار، وارزقنا الرزق الوفير الحلال، واصرف عنا فسقة الجن والإنس اللهم آمين".