"بيكاسو" أحد أشهر الفنانين التشكيليين في القرن العشرين وينسب إليه فضل تأسيس أحد مدارس الفن الحديث وهو المدرسة التكعيبية.
يقول عن فن الخط العربي: "إن أقصى نقطة أردت الوصول إليها في فن التصوير، وجدت الخط الإسلامي قد سبقني إليها منذ زمن بعيد".

 

من الطبيعي أن تصدر هذه الشهادة من بيكاسو؛ لأنه نشأ في أسبانيا ومن المؤكد أنه تغذى بصريًّا على آثار الإسلام الموجودة في بلاد الأندلس، ومن ناحية أخرى؛ لأنه أحد فناني العصر الحديث المتمردين على الموروث الفني السائد في أوربا والذي كان يقوم على المحاكاة، فكان من الطبيعي أن يمثل الفن التشكيلي التجريدي الإسلامي مصدر إلهام أو على الأقل محل تقدير من "بيكاسو".

 

 لقد ظل الفن التشكيلي الأوربي طوال تاريخه الطويل مرتبطًا بالواقع المرئي تمام الارتباط واتخذ الفن صورًا مختلفة وأطوارًا متتالية من الكلاسيكية إلى الرومانسية ثم الواقعية، حتى المدرسة التأثيرية التي هي آخر حلقات تطور فن المطابقة والمحاكاة قبل ثورة الفن الحديث.

 

وقف الفنان الغربي في أواخر القرن التاسع عشر متأملاً في فنه، متسائلاً: ما هي القيمة الإبداعية الجمالية المضافة إذا استمر الفن التشكيلي عبارة عن محاكاة للطبيعة، خاصة وأن بداية ظهور آلة التصوير الفوتوغرافي بدأت في منتصف القرن التاسع عشر، فإن كانت آلة تستطيع أن تفعل ما أفعله فما هي قيمتي مهما بلغت دقتي في نقل الواقع؟ ومن هنا وجد الفنان نفسه أمام حتمية التغيير والتعبير بشكل إبداعي.

 

وساعد على ذلك أيضًا تأثر الفنان بآراء فلاسفة الجمال في العصر الحديث، ومنها النظرية الفيثاغورثية في الجمال والتي ترى أن الجمال المثالي الخالد في هذا الكون يقوم على نسب هندسية دقيقة، وعلاقات رياضية محكمة.

 

ونظرية "عمانويل" في الظاهر والحقيقة، والتي تدعو الفنان أن يتخطى الشكل ويركز في المضمون.

 

بل تأثر كذلك بنظرية "سيجمان فرويد" عن اللا شعور وهذه النظرية تقوم على دراسة أعماق النفس البشرية والنفاذ إلى أغوار اللاشعور وما يصدر عنه من رؤى وتصورات رمزية حالمة وغامضة أيضًا.

 

ومن هنا نشأت مدارس الفن الحديث التي يجمعها فكرة البعد عن المحاكاة، ويفرقها نظرتها لفلسفة الجمال والفن .

 

فالمدرسة التكعيبية ترد الأشكال الطبيعية إلى أصولها من الأشكال الهندسية، والمدرسة السريالية تستمد الجمال الفني من عالم اللاشعور البعيد عن الصور المشاهدة في عالم الواقع، وهكذا.

 

ونحن لا نقول هنا إن الفنانين الغربيين تتلمذوا على أيدي الفنانين المسلمين، ولكن حينما بدءوا مسيرتهم في تجديد الفن الموروث عبر آلاف السنين، وجدوا الفن الإسلامي قد سبقهم بمراحل، وهو ما عبر عنه "بيكاسو" في بداية المقال.

 

فكان الفن الإسلامي مصدر إلهام للفنان الغربي، عبر حركة الاستشراق التي اطلع فيها فنانو الغرب على آثار المسلمين، ومن خلال معارض الفن الإسلامي التي تجولت في ربوع أوربا.

 

وقد عاصر الفيلسوف الراحل "زكي نجيب محمود" معرضًا للفنون الإسلامية في "لندن" فقال معلقًا على ما قرأه من نقاد الغرب: "هأنا ذا أقرأ لنقاد الفن ذوي الإمكانيات المرموقة في لندن، لمحات مضيئة نافذة إلى الأعماق....، ولقد كنت أقرأ ما كتبه هؤلاء النقاد فأشعر بالزهو يملأ نفسي كلما انتقلت من سطر إلى سطر، لأن كل سطر مما كتبوه جاء مفعمًا بشعور الدهشة لروعة ما تقع عليه أبصارهم".

 

بل إن الدكتور "مراد هوفمان" السفير السابق لألمانيا في المغرب الذى اعتنق الإسلام، ذكر في كتابه "الطريق إلى مكة": "إن من بين أسباب اختياري للإسلام، إعجابي وتأثري الشديد بجمال الفن الإسلامي، إذ اكتشفت أن الإسلام ذو طبيعة جميلة متصلة بالفن".

 

نعم من حقنا أن نفخر بالفن الإسلامي الخالد، وندين بالعرفان لرواد هذا الفن الذين اختاروا الطريق الصعب، طريق الإبداع الخلاق، فقد خالفوا الفن المألوف في العالم كله، ليبدعوا هذا الفن الخالد، الذي استمر في عطائه وتميزه طوال سنين مضت، وننتظر من فنانينا المبدعين أن يسيروا على خطى آبائهم الأولين.