آن لنا أن نتحدث عن حرية الإبداع تلك القضية التي أصبحت معركة كلامية حامية الوطيس، في هذه المعركة نرى أن الإبداع تم اختصاره فقط في الفنون، ثم تم اختصاره مرة أخرى في فن التمثيل وما يتعلق به بصفة خاصة.
حسنًا، لنجاريهم ونتحدث عن فن التمثيل والإبداع فيه.
فن التمثيل أصبح من أكثر الفنون تأثيرًا في حياة الشعوب، ومن هنا رأينا كيف أن أمريكا غزت العالم بثقافتها عبر الأفلام السينمائية.
فقد كانت السينما الأمريكية رأس الحربة في غزو العالم ثقافيًّا، حتى أن "خروتشوف" الرئيس السوفيتي السابق قال: "أنا أخشى هوليوود أكثر من خشيتي للصواريخ الأمريكية عابرة القارات".
السينما الأمريكية سوقت لنموذج المعيشة الأمريكية بدءًا من لبس الجينز مرورًا بأكل الهامبورجر، السينما الأمريكية كانت حاضرة دومًا لخدمة السياسة الأمريكية وتحسين صورة أمريكا، فسلسلة أفلام "رامبو" أنقذت سمعة الجيش الأمريكي التي تمرغت في وحل فيتنام، عن طريق تصوير القدرات الجسمانية والبطولية الخارقة للجندي الأمريكي وتصوير الفيتناميين على أنهم شعب همجي متوحش.
وفيلم "بيرل هاربر" يقابل وحشية أمريكا بضرب اليابان بالقنابل الذرية بتصوير الجيش الأمريكي على أنه هو المعتدى عليه وله كل الحق في الرد على وحشية اليابانيين.
إذا كان هذا النموذج الأمريكي بما يحمله من إمكانيات ضخمة، فهناك نموذج آخر هو نموذج السينما الإيرانية التي يعتريها ما يعترينا من قلة الإمكانيات، ويزيد عليها القيود المفروضة على صناعة السينما حتى يحظر ظهور نساء غير محجبات، حتى وإن كان المشهد مصورًا في غرفة النوم بين أم وأسرتها.
وبرغم قلة الإمكانيات وكثرة القيود، فقد فرضت السينما الإيرانية نفسها على الساحة الفنية الدولية حتى يكاد لا يخلو أي مهرجان دولي من حضور للسينما الإيرانية، وفي عام 2000 فاز الفيلم الإيراني "قندهار" بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان، وحصول المخرج الإيراني "عباس كيارو ستامي" على السعفة الذهبية لمهرجان كان 1997.
فمن الواقع الشرقي المحلي والهوية الثقافية للمجتمع استطاعت السينما الإيرانية تقديم أفلام ذات طابع إنساني تعبر عن خصوصيتها وتفردها وعدم تشبهها بأي سينما أخرى، وحازت عالميتها من هذه البوابة، لتثبت أنه بالعقول لا بالأموال، وبالابتكار لا بالتقليد، تستطيع أن تفرض احترامك على الغير.
فهل لنا أن نسأل أصحاب الصوت العالي والحضور الإعلامي الطاغي ممن احتكروا وصف فنان على من يمارسون فن التمثيل وما يلحق به فقط، نسألهم: أين هو إبداعكم؟ وماذا قدمتم للعالم عن بلدكم؟ هل قدمتم إنتاجًا إنسانيًّا يرتقي بوجدان مشاهديكم ومحبيكم؟ ما ذا قدمتم عن إنجازات بلدكم في حرب العاشر من رمضان أو ثورة 25 يناير؟
حتى لا نعمم ونظلم القليل من المجدين، نقول: إن معظمكم تاجر بفنه على حساب آلام ومعاناة شعبه بدعوى الواقعية، وتاجرتكم بفنكم على حساب الفضيلة والأخلاق، ونشر الإسفاف على أنه مطلب جماهيري يضمن لكم بيع تذاكر الشباك.
بلادكم تنتظر منكم ما ينتظره الشعب من الفن، أن يكون الفن معبرًا عن آمال وطموحات الشعب.
أن يكون موجهًا للرقي والتقدم والعمل، أن يكون ترجمانًا لثقافة وهوية شعب عظيم آثاره تذخر بها دول العالم دليلاً على عظمته.
فإن كنتم مبدعين بحق فهذا هو الطريق، واعذرونا في قولنا أنكم تتاجرون بحرية الإبداع لمصلحة جيوبكم على حساب مصلحة أمتكم.
ضربنا لكم نموذجًا حديثًا بالسينما الإيرانية، وفي سلسلة المقالات السابقة ضربنا لكم المثل في الفنان الذي أسس للفن الإسلامي.
وعليه فإننا نحن الذين نطالبكم بالإبداع الفني، ونعطيكم كامل الحرية كجمهور محب للفن، بشرط أن يكون الفن في خدمة المجتمع، وليس الفن للفن، أو الفن في خدمة الفنانين.