من خلال سلسلة مقالاتي حول الإبداع الفني جاءتني كثير من التعليقات، تتحدث عن دور الدولة في رعاية ودعم الإبداع الفني، وهذا أمر في غاية الأهمية؛ حيث أن الفنون هي أقوى معبر عن ثقافة وهوية المجتمع.

 

وسنبدأ بمثل بسيط، كانت الولايات المتحدة الأمريكية سيدة العالم في إنتاج أفلام الكرتون، ولأفلام الكرتون أهمية كبيرة؛ حيث أنها تتعامل مع مرحلة الطفولة والصبا، وهي المرحلة التي يتشكل فيها عقل ووجدان الإنسان، ومن خلال هذه الصناعة صدرت أمريكا ثقافتها لأطفال العالم.

 

شعرت اليابان بخطر على ثقافتها وهويتها أمام هذا الغزو الكرتوني الثقافي لأطفالها، فقررت في السبعينيات أن تدخل مجال صناعة أفلام الكرتون، وقررت دعم شركات الإنتاج بما يقارب 60%- 70% من تكاليف الإنتاج.

 

الآن أصبحت اليابان متفوقة في سوق أفلام الكرتون على الولايات المتحدة، ومعظم أفلام الكرتون المتداولة من إنتاج اليابان، ومن هنا فإن دعم الدولة لإنتاج فن راقي يحافظ على هويتها ويعبر عن ثقافتها هو أمر في غاية الأهمية.

 

ولازلت أذكر– برغم أهمية فن التمثيل– على أن مفهوم الفن متسع لكل ما تقع عليه العين أو تسمعه الأذن، وقد أغنتنا المقالات السابقة عن إعادة التفصيل في هذا المجال.

 

ومن هنا نرى ضرورة تبني الدولة للخطوات العملية التالية:

1- الاهتمام بالمواد الفنية في مدارسنا الابتدائية بما فيها إعادة تدريس مادة الخط والزخرفة كما كان سابقًا، كذلك تنظيم مسابقات الشعر والنثر والرسم، وتكوين الفرق المسرحية، والاهتمام بالتربية الموسيقية، وتنظيم رحلات دورية للمتاحف والمعارض الفنية والآثار.

2- إحياء ودعم مدارس تحسين الخطوط التي كادت أن تندثر، وتدعيم اتحاد الخطاطين.

3- رعاية المبدعين وتنظيم معارض فنية ترعاها الدولة وتدعو لها الفنانين التشكيلين الغربيين للاطلاع على فنونها ودعم تقديم معارض فنية لمبدعينا تنظم خارج حدود وطننا العربي والإسلامي.

4- رعاية ودعم وإحياء الصناعات اليدوية التي تعاني من الإهمال حتى كادت أن تندثر مثل صناعة الزجاج والخزف والنسيج اليدوي والمشغولات النحاسية والخشبية وغيرها.

5- إعادة دور الأوقاف الإسلامية في دعم الفنون الإسلامية، فنحن ندين بالفضل لنظام الوقف بالكثير مما وصل إلينا من روائع العمائر والتحف الإسلامية، بما كان ينفق على ترميمها لضمان بقائها واستمرار ريعها، بل إن نظام الوقف وفر للباحثين مستندات عن الأعيان الموقوفة التي تتضمن الوصف الدقيق لتلك الأعيان متضمنة الكثير من المصطلحات الفنية التي تفيد الباحثين في العمارة والفنون الإسلامية.

 

نؤكد أننا هنا ركزنا على الجانب المهمل من فنونا الأصيلة التي تعبر عن هويتنا، ودولنا العربية ليست أقل من تركيا وإيران التي ترعى تلك الفنون وتقدم الدعم لمبدعيها وتنظم أكبر المعارض الفنية المتعلقة بالفنون الإسلامية.

 

ويبقى بعد أن تحدثنا عن دور الدولة، أن نتحدث عن دورنا نحن في تربية أبنائنا على حب الجمال، وهذا ما سنتحدث عنه في المقال القادم إن شاء الله.