حين يُقصِّر أحد الجنود في عمله على جبهته المكلف بحمايتها؛ فهذا أمر مرفوض تمامًا؛ لأنه يجلب الهزيمة العسكرية لبلاده، أما حينما يكون هذا المقصر هو ذلك الجندي الذي ربته البلاد على أن يدافع عن الناس ضد فيالق المرض وجيوشه الجرارة التي تفتك بالبسطاء في صمت وسكون فهذه هي الهزيمة الأخلاقية. والهزيمة العسكرية أهون بكثير من الهزيمة الأخلاقية.

 

عجيب أن يُضرب هؤلاء الأطباء الجنود عن عملهم الإنساني؛ وكأنهم يضربون عن الإنسانية، كأنهم يقولون لسنا بشرًا نحس ونشعر، وإن كان هذا عجيبًا؛ فالأعجب أنهم يذهبون إلى ميدان عملهم ويجلسون على الكراسي كالمشلول الذي لا يستطيع حراكً، ثم بعد ذلك يخرج ليعمل في ميدانه الخاص وعياداته الخاصة ليل نهار بكل حماسة وجد إنه الخزي الأخلاقي، ومن العجب العجاب الذي يهدد باب الحلال والحرام أنهم منذ أكثر من شهر مضربون عن مرضاهم ثم بعد ذلك يأخذوا مرتبهم كما هو آخر الشهر وكأنهم يعملون؛ إن رائحة السحت تطل برأسها، أي مال تقبضونه وأنت مشلولون على المكاتب؟!!! مثلكم كمثل المرضى، غير أنهم ناموا من سطوت المرض ونمت من سطوت العطب؟!

 

سألت أحدهم عن سبب إضرابهم؛ فتعلل بسوء المعاملة من المرضى، فقلت له وما دورك أنت؟ لابد أن تعطيه جرعة الأخلاق قبل جرعة الدواء، ما الفرق بينك وبين من تشكوه اليوم إنك وهو في سوء الأخلاق سواء، غير أنه تربى في ضغوط الحياة، وأنت تربيت في بيت أبيك؛ فقد نعذره ولكن لا عذر لك، قلت له لماذا أخذت مرتب شهر وأنت لم نعمل يوما واحدا؟ لماذا تخرج فتعمل في عيادتك الخاصة ما دمت تبحث عن الاحترام ؟ قال : لأنهم يدفعون أكثر قلت: فانظر إلى نفسك...إنك تبحث عن المادة والمال لا عن الاحترام. أيها الأطباء لو أن الكون كله أقر أن المال هو علامة الاحترام فأنت ورجال الدين لا تقرون بذلك، ومن أقرهم منكم فليجدد نيته، أو يبحث طبيب عيون غير مضرب؛ ليكشف له عن العمى الأخلاقي.

 

أيها الأطباء أنتم من يطرد المرض عن الناس، فمن يطرد المرض عنكم إن مرضتم، وكل داء يشفى المرء منه إلا داء الأخلاق إن فسدت فاقرأ على الأمة آيات الرحمة والغفران.

 

 إن الوظيفة الحقيقية لكل طبيب أن يكون إنسانًا لا تاجرًا ولا "ميكانيكيًّا" في ورشة، من المؤسف أن نقول أن عياداتكم الخاصة حتى هي أصبحت ورشة لا دار شفاء، واليوم تأتون لتقضوا على ما تبقى من رمق في حياة الإنسانية في غرف المستشفيات.

 

 أيها الأطباء لا تنساقوا وراء نداء الغربان، إذا انقلب الكون فأنتم ميزانه، وإذا مرض البشر فأنتم شفاءهم، وإذا أبيتم فاخلعوا رداءكم الأبيض والبسوا غيره حتى نعرف الغث من السمين ونسوى بينكم وبين جيوش بشار أو تتار بورما والهند الذين يفتكون بالناس ويقتلونهم عمدا.

----------

* بمدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج