البطالة مشكلة متعددة الأطراف لها آثار عقدية وخلقية واجتماعية واقتصادية وسياسية، وهي كالسرطان يهدد كيان المجتمع بأسره، وتعانيها كل دول العالم، سواء أكانت رأسمالية أو اشتراكية، متقدمة أو نامية، ولقد وضع الإسلام مجموعة من الضوابط لتجنب ظهورها من الأصل، ومن أهم هذه الضوابط ما يلي:

 

أولاً: حث الإسلام على العمل واعتبره عبادة وقيمة وشرفًا وثوابه مثل ثواب المجاهد في سبيل الله. ولقد أشار القرآن إلى ذلك في مواطن كثيرة، منها قول الله تبارك وتعالى: "وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (المزمل: 20)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) (رواه الإمام أحمد).

 

ويتمثل دور الزكاة في الحث على العمل بأنها لا تعطي للقادر على العمل ولا تعطي للغني ولقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم إعطاءها لأحد الأنصار؛ حيث وَجَدَه قادرًا على العمل وهيأ له فرص العمل ولكن يجوز استخدامها لشراء أداة الحرفة والمهنة للفقير القادر على العمل.

 

ثانيًا: على ولى أمر المسلم مسئولية توفير فرص العمل وإعداد وتدريب العاملين، وأساس ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فكلكم راعٍٍٍٍٍ وكلكم مسئول عن رعيته، والإمام راعٍ وهو مسئول عن رعيته)، ولا يجوز أن تعطى الزكاة للقادر على العمل حتى لا تحوله إلى متسول، ولكن يمكن استخدام جزء منها لإعداده وتدريبه إذا كان فقيرًا.

 

ثالثًا: استخدام جزء من حصيلة الزكاة لتوفير مستلزمات العمل من الآلات والمعدات والخامات للعمال حتى يتحولوا إلى طاقة إنتاجية، كما أن إعطاء الزكاة للفقراء العاطلين يحوِّلهم إلى طاقة إنتاجية، ولقد وضع الفقهاء مجموعة من الضوابط الشرعية لاستخدام جزء من حصيلة الزكاة في إقامة مشروعات استثمارية ليعمل فيها الفقراء العاطلون، من أهمها أن تكون في مجال الضروريات وتملك للفقراء ويعمل فيها الفقراء ولقد طبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الصحابة من بعده أسلوب الزكاة في توفير مستلزمات العمل للفقراء والمساكين، وبذلك حدثت التنمية الاجتماعية المقترنة بالتنمية الاقتصادية.

 

ولقد أجاز فريق من الفقهاء المعاصرين إنفاق جزء من حصيلة الزكاة لتمويل المشروعات الصغيرة للمساهمة في علاج مشكلة البطالة بين الشباب لتحويلهم إلى قوة منتجة تسهم في تحقيق النهضة للمجتمع، فقد ورد في المجموع للإمام النووي يرحمه الله: (ومن كان خيَّاطًا أو نجَّارًا أو قصَّابًا أو غيرهم من أهل الصنائع أعطى له من الزكاة ما يشتري به صنعته أو حصة في صنعته بما يكفيه على الدوام).

 

كما أصدر مجلس الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي قرارًا بجواز الاستثمار الزكوي في مشروعات إنتاجية تنموية ورد به ما يلي:

 

"يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشروعات استثمارية تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة، وتكون تابعة للجهة الشرعية المسئولة عن جمع الزكاة وتوزيعها، على أن تكون معدة لتلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر".

 

ويستنبط من هذا القرار الضوابط الشرعية الآتية:

- أن يدخل المشروع ضمن مقاصد الزكاة ومنها التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

 

- أن يتولى المشروع أهل القيم والخلق والكفاءة الفنية والخبرة والبصيرة.

 

- أن يكون المشروع في إطار الأولويات الإسلامية والضروريات والحاجيات وتحقيق مصالح المسلمين ولا سيما مستحقي الزكاة.

 

- أن يتم الالتزام بالتعاليم الإسلامية (فقه الزكاة).

 

- أن يكون المشروع تحت رعاية المؤسسة الزكوية أو ما في حكمها.

 

- أن يتم تمويل هذه المشروعات بصيغ إسلامية منها: المشاركة والإجارة والبيع بالتقسيط والقرض الحسن ونحو ذلك وتجنب التمويل بنظام القروض بفائدة ربوية لأنها تؤدي إلى فشل المشروعات.

 

الخلاصة:

يتبين من الأدلة السابقة أن للزكاة دورًا مهمًا في علاج مشكلة البطالة من ناحية الحث على العمل من جانب، ومن حيث إنها تعطى للفقراء لتحويلهم إلى طاقة إنتاجية تنموية، كما يمكن استخدام جزء من الحصيلة في إنشاء مشروعات استثمارية ليعمل فيها الفقراء العاطلون ويكون ذلك تحت رعاية مؤسسات الزكاة أو الجمعيات الخيرية والاجتماعية ونحو ذلك من مؤسسات المجتمع المدني.

 

----------------------

 الأستاذ بجامعة الأزهر

عضو الهيئة الشرعية العالمية للزكاة