داليا- مصر:

متزوجة منذ 7 سنوات وعندي طفلتان، فقد تعرفت على زوجي من خلال بعض أقاربي، فهو إنسان ملتزم ومؤدب ويشهد له الجميع بحسن الخلق، إلا أنه شديد الغيرة عليَّ ومن أقرب الناس، وقد لاحظت ذلك قبل الزواج واعترضتُ على ذلك فنصتحني والدتي بقولها:

 

ن ذلك يكون فقط قبل الزواج، ولكن بعد الزواج سوف يتغير، وحتى الآن يفتعل معي المشكلات إذا كلمني أحد من أقاربي أو أحد الجيران ألقى السلام علينا وهو معي، وكل مرة أغضب منه يصالحني بعدها، ولكني يئست من تغييره فماذا أفعل؟

 

- يجيب عليها عكاشة عباد استشاري أسري واجتماعي في (إخوان أون لاين):

 

السيدة الفاضلة: داليا..

السلام عليكِ ورحمة الله وبركاته...

الغيرة هي الحمية والأنفة يقال: رجل غيور وامرأة غيور بلا تاء، والغيرة من أمور الفطرة السليمة التي فطر الله عليها الرجال والنساء، ومن قُتلت فيه الغيرة تحوَّل إلى خنزير لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدًا: الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر" ‌ (تخريج السيوطي.. عن عمار بن ياسر- رضي الله عنه- تحقيق الألباني.. (صحيح) انظر صحيح الجامع‌) والديوث هو الذي لا يغار على أهله، وكما أن درجات الغيرة تختلف في النساء فهي أيضًا تختلف في الرجال بين الغيرة الطبيعية والغيرة الزائدة عن الطبيعة والسبب في ذلك اختلاف البيئات والطبائع والتكوينات الفكرية، وأيضًا الحياة السابقة على الزواج وغير ذلك من الأمور التي تؤثر على درجة الغيرة، وهناك بعض الرجال الذي بلغت به الغيرة أنه إذا وجد رجلاً مع امرأته لا يُفكِّر في شيءٍ بل يقتل هذا الرجل دون تردد. فعن المغيرة رضي الله عنه قال: قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: "تعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة" (صحيح البخاري).

 

ومن سؤالك يتضح لي أن زوجك لا يرغب منك أن تحدثي أحدًا من الرجال مطلقًا سوى المحارم الدائمين فقط أي أنه ربما لا يجيز الكلام أو التحدث مع المحارم المؤقتين (كزوج الأخت مثلاً)، وهذه الغيرة الزائدة- من وجهة نظرك- جعلتك في حالة من اليأس لذلك أقول لك:

 

1- زوجك تقولين عنه (فهو إنسان ملتزم ومؤدب ويشهد له الجميع بحسن الخلق) وهذه شهادة له أنه رجل مستقيم لا يُحدث النساء أو يجالسهن سوى محارمه فقط، والرجل المستقيم عادةً يحب أن يتعامل الجميع مع زوجته كما يتعامل هو مع زوجاتهم فلا يحدث زوجته أحد ولا يلقي عليها السلام.

 

2- الزوجة الحكيمة العاقلة هي التي تتعامل مع تلك الفطرة بذكاء وحكمة فتستفيد من تلك الغيرة- الزائدة من وجهة نظرها- في الآتي:

 

(أ) تجعلها علامة من علامات الحب القوي لزوجها لها حيث إنه يرغب أن تكون له فقط في كل شيء؛ حيث هو لها في كل شيء، وتجمل ذلك في نفسها وتعظمه فتزداد حبًّا لزوجها وقربًا منها.

 

(ب) تتذكر أن أفضل منها كانت تعلم أن زوجها شديد الغيرة عليها فكانت تراعي ذلك حتى في غيبته وتتحمل كل الآلام والمشاق في مقابل ألا تغضب زوجها ولو شيئًا قليل فعن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما- قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربة وأعجن ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ. فجئت يومًا والنوى على رأسي فلقيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثم قال: "أخ أخ ليحملني خلفه" فاستحييتُ أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس فعرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أني قد استحييتُ فمضى. فجئتُ الزبير فقلت: لقيني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى كان أشد عليَّ من ركوبك معه. قالت حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني". (رواه البخاري )
(قال: أخ أخ ليحملني خلفه) القائل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو بالنسبة لأسماء أولاً محرم لها حيث متزوج من أختها عائشة- رضي الله عنها-، ثانيًا: أنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي إذا شكَّ في خُلُقه أحد كفر. ولكن ما الذي منع أسماء- رضي الله عنها- من الركوب رغم المشاقة والتعب (وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس).

 

3- لا تلومي زوجك على غيرته عليك فهناك نماذج للأزواج كانت تغير إذا ذكرت زوجته اسم رجل أو وجدها خارج بيته، ومن هذه النماذج.

 

أ- يموت غيظًا من الوصف فحسب:

 

كان عمر بن عبيد الله من أشد الناس غيرةً فدخل يومًا على عائشة وقد ناله حر شديد وغبار فقال لها: انفضي التراب عني فأخذت منديلاً تنفض به عنه التراب، ثم قالت له: ما رأيت الغبار على وجه أحد قط كان أحسن منه على وجه مصعب قال فكاد عمر يموت غيظًا.  (الأغاني)

 

ب- ويكاد يقتل زوجته لأنها كانت خارج البيت:

 

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان في فتى منا حديث عهد بعرس، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله. فاستأذنه يومًا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة". فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها الرمح ليطعنها به وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش.  (رواه مسلم).

 

وأخيرًا: اعلمي أيتها السيدة- الفاضلة الآتي:

 

1- الغيرة حصن حصين للأسرة.

 

2- لا تجعلي من غيرة زوجك عليك معولاً لهدم البيت أو ألمًا ينغصُّ عليك حياتك وسعادتك الأسرية كزوجة مع زوج صالح، بل اجعلي من هذه الغيرة سلمًا تصعدين عليه للسعادة.

 

3- انظري ما هي الأشياء التي تُحرِّك في نفس زوجك الغيرة وابتعدي عنها تمامًا؛ لأن هذا لن ينقص منكِ شيئًا ولن يضيف لحياتك شيئًا.

 

4- الزوجة هي التي تصنع سعادة بيتها فاصنعي سعادتك بتعظيم إيجابيات زوجك وتغاضي عن سلبياته.

 

- كنت أود أن أوجه رسالة لزوجك أقول له ما لم أقوله لك حفظكما الله وحفظ أسرتكما.