أكد الدكتور نبيل السمالوطي أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية الدراسات الإنسانية الأسبق بجامعة الأزهر أن المجلس القومي للمرأة، وكذلك المجلس القومي للطفولة والأمومة قد تسببا في زيادة انتشار ظاهرة أطفال الشوارع في السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن هذين المجلسين قد أسهما في تخريب العلاقات الأسرية وزيادة حالات الطلاق نتيجة القوانين التي صدرت عنهما كقانون الحضانة والرؤية الذي يحرم الأب من رؤية أبنائه، وبالتالي تشتت الأسرة، وزادت حالات تشرد الأطفال والتي قد تصل إلى 3 ملايين طفل بلا مأوى.
وأضاف: أن ظاهرة أطفال الشوارع أفرزت نوعًا من العصابات الكبيرة التي يتركَّز نشاطها على هؤلاء الأطفال واستخدامهم في الأنشطة غير المشروعة كاستخدامهم أدواتٍ مساعدةً في الترويج والتوزيع للممنوعات أو إحداث اضطرابات وعنف، كما شاهدنا في أحداث شارع محمد محمود وحرق المجمع العلمي وماسبيرو وبورسعيد.
وحول مخاطر انتشار ظاهرة أطفال الشوارع وكيفية التصدي لها كان لموقع إخوان أون لاين هذا اللقاء مع الخبير الاجتماعي الدكتور نبيل السمالوطي أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر.
نص الحوار:
* في البداية نريد معرفة حجم انتشار هذه الظاهرة في مصر؟
** تتضارب المعلومات حول حجم ظاهرة "أطفال بلا مأوى" في مصر، ولا توجد إحصائيات دقيقة حول هذه الظاهرة، فقد أكدت البيانات الإحصائية المستقاة من تقارير الأمن العام التابع لوزارة الداخلية أن حجم "أطفال بلا مأوى" يقدر بـ29151 طفلاً، وقد اعتمد على هذه النسبة الكثير من الدراسات المصرية، وقدرت دراسات أخرى عدد هؤلاء الأطفال بـ 1.5 مليون طفل في الشارع يهيمون بلا مأوى، وفي تقديرات أخرى قد تصل إلى 3 ملايين.
* وما أسباب تفشي ظاهرة أطفال الشوارع في السنوات الأخيرة؟
** ترجع إلى الآتي:
1- تبني الدولة سياسات الإصلاح الاقتصادي وبرامج التكيف الهيكلي، هذه السياسات أدت إلى العديد من الآثار السلبية، من أهمها الاستبعاد الاجتماعي لكثير من الفئات الاجتماعية الفقيرة من الحصول على الحقوق والفرص الاجتماعية والاقتصادية المتاحة في المجتمع
2 _ بطالة الكثير من الأسر الفقيرة، الأمر الذي أدى بها إلى دفع أبنائها إلى سوق العمل لتحمل المسئولية دون مراعاة المرحلة العمرية.
3_الفقر المدقع يعتبر من العوامل الأساسية المشكلة لظاهرة "أطفال بلا مأوى" لحرمانهم من الأسرة، التعليم، الرعاية الصحية، والفرص الأخرى الضرورية لنموهم الطبيعي.
4- التفكك الأسري؛ حيث تعجز الأسرة المفككة (الطلاق أو الانفصال أو الهجر أو اليتم)عن توفير الحماية والاستقرار لأطفالها ولا يمكنها إشباع حاجاتهم من الحنان والعطف والحب والتقدير إلى غير ذلك من ألوان الرعاية الطبيعة داخل جدران الأسرة، وفي ظل هذا الحرمان يكون الشارع هو البيت المفضل لهؤلاء الأطفال للنوم والراحة والدخل والارتباط بعالم الشارع وقيمه وعاداته بدلاً من الأسرة، ويجد الأطفال أنفسهم مهيئين لارتكاب المخالفات والجرائم كالسرقة والتسول وبيع السلع الهامشية.
-5 قوانين الأسرة التي أصدرت في عهد النظام البائد من خلال المجلس القومي للمرأة والطفولة والأمومة، كقانون الحضانة وقانون الرؤية الذي يحرم الأب من رؤية أبنائه، مما تسبب في انتشار ظاهرة تشرد الأطفال، فضلاً عن تشجيع النساء على الشكاوى من خلال توفير الخط السخان لهن، وعن طريقه زادت حالات الطلاق.
وماذا عن المخاطر التي يعانيها أطفال بلا مأوى؟
يتعرض " أطفال بلا مأوى "لثلاثة مخاطر:
أولاً: المخاطر التي يتعرض لها الطفل داخل الأسرة:
إساءة معاملة أطفال بلا مأوي وإهمالهم من قِبل الوالدين أو من يقوم برعايتهم له صور وأشكال متعددة. فقد تحدث دون عمد نتيجة جهل الأسرة بالأساليب التربوية السليمة، أو نتيجة لضغوط نفسية تعانيها الأسرة، وقد تكون الإساءة متعمدة على هؤلاء الأطفال وقد تصل إلى حد الاعتداء الإجرامي أو العنف وفي جميع الحالات يكون هؤلاء الأطفال هم المعتدى عليهم وهم الضحية، وتتنوع أشكال إساءة معاملة "أطفال بلا مأوي" ما بين:
1- الإيذاء الجسدي وهو ينقسم إلى قسمين:
- الإيذاء المباشر: هو الذي يستخدم فيه القوة الطبيعية ويتسم بالعنف وتتفاوت درجة جسامته ما بين الضرب الخفيف أو القتل، ويختلف الإيذاء الجسدي المباشر باختلاف الغرض منه، فهو يستخدم أحيانًا وسيلة للسيطرة على سلوك الطفل، وأحيانًا أخرى يُستخدم للتعبير عن نوع من العدوانية تجاه الطفل.
- الإيذاء غير المباشر: وينتج عن فعل غير مباشر من الوالدين تجاه الطفل يؤدي إلى إلحاق الضرر الجسدي به مثل: سوء الرعاية الصحية، أو تعرض الطفل للحوادث والإصابات العضوية.
2- الإيذاء النفسي للطفل: عندما يحرم الطفل من إشباع حاجاته النفسية عن طريق والديه سواء بإرادتهما أو بدون أرادتهما، فمن حق الطفل أن يشبع حاجاته النفسية مثل: الحاجة إلى الحب والحنان والرعاية والأمن والطمأنينة، وبدون إشباع هذه الحاجات يتحقق الإيذاء النفسي للطفل.
3-الإيذاء الاجتماعي للطفل: عندما يحرم الطفل من إشباع حاجاته الاجتماعية مثل: التعليم واللعب وقد ينتج عن ظروف مادية تعانيها الأسرة، ويؤدي هذا النوع من الإيذاء إلى انخفاض مستوى الطفل الاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمع وقصور في شخصيته الاجتماعية.
4- الإهمال: بمعنى أن يترك الوالدان الطفل دون تشجيع على سلوك مرغوب فيه أو الاستجابة له وتركه دون محاسبة على قيامة بسلوك غير مرغوب، وذلك بسبب انشغال الأب في معظم الأوقات في عمله؛ حيث يعود متأخرًا فينام ثم يخرج في الصباح ولا يأتي إلا بعد أن ينام الأولاد، والأم منشغلة إما بعملها وإما بكفاية الاحتياجات المنزلية، ولذلك يواجه الطفل كل تصرفاته بنفسه فهو الحكم عليها سواء كانت صحيحة أو خاطئة.
5- العنف الأسري: يتعرض "أطفال بلا مأوى" إلى العنف بكل أشكاله وإلى الاستغلال الجنسي. ويعد العنف البدني من أهم المخاطر التي يعانيها "أطفال بلا مأوى " في الأسرة، ففي مسح أجرى عام 2000 أوضحت النتائج أن 86% من "أطفال بلا مأوى" في محافظتي الإسكندرية والقاهرة يعانون العنف البدني، سواء كان من أقرانهم أو من أسرهم أو الأطفال الأكبر سنًا.
ثانيًا: المخاطر التي يتعرض لها "أطفال بلا مأوى" في الأسرة وتلفظهم على أثرها إلى الشارع بلا مأوى:
1- التسرب من التعليم: يعد الحرمان من التعليم أو التسرب منه من أخطر جوانب الأسرة الفقيرة ثقافيًّا وماديًّا؛ حيث إن هذه الأسرة لا تعزز الرغبة في التعليم؛ حيث الجو الأسري البعيد كل البُعد عن كل ما له علاقة بالكتاب والثقافة بصفة عامة، علاوة على شيوع التفكير اللا عقلاني والخرافي.
2- الوراثة المهنية: فالآباء غالبًا ما يأخذون أبناءهم منذ الصغر أثناء ممارستهم التسول أو بيع السلع الهامشية في الشارع، وبالتالي ينشأ هؤلاء الأطفال منذ صغرهم معتادين على الشارع وعلى هذا النوع من العمل، خاصة أن آباءهم يعتبرون هذا العمل من الأعمال التي تدر عليهم دخلاً مرتفعًا وسريعًا في الوقت نفسه، ولهذا يصبح امتهان هؤلاء الأطفال مثل هذه الأعمال شيئًا طبيعيًّا لا يتعارض مع الوضع الأسري والاجتماعي. والأخطر من هذا أن هؤلاء الأطفال حينما يصبحون شبابًا يتزوجون من فتيات الشوارع وينشئون ما يطلق عليه "أسر الشارع" وهي أسرة مكونة من شاب شارع وفتاة شارع وفيما بعد طفل آخر في الشارع، ومن هنا تصبح الخطورة أعظم على المجتمع وإهدار طاقاته البشرية التي يمكن الاستفادة منها في تنمية ورقي المجتمع هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهم يشكلون في المجتمع جماعات مميزة ذات ثقافة خاصة ورؤية خاصة ولغة خاصة تميزهم عن غيرهم من الأفراد، ومع مرور وانتشار هذه الأسر في الشارع يصعب علاج هذه الظاهرة السلبية، ويقع العبء الأكبر على سلامة المجتمع وآمنة ومظهره الحضاري أمام البلدان الأخرى.
ثالثًا: المخاطر التي يتعرض لها " أطفال بلا مأوى "في الشارع:
3- قيم الشارع: يجد "أطفال بلا مأوى" أنفسهم ضائعين نتيجة للعيش في الشارع، وهذا بدوره يؤدي إلى ظهور مجتمع تحيط به ثقافة فرعية هي ثقافة وقيم الشارع، ويؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار القيم الاجتماعية إلى المدى البعيد إذا لم تتوافر مواجهة ناجحة وجذرية لهذه الظاهرة.
4- الاستغلال الجنسي للأطفال: من الأفراد الأكبر سنًا أو فيما بينهم.
5- التعرض للأمراض: مثل التيفود، التسمم الغذائي، الجرب، الملاريا، البلهارسيا، السعال المستمر وأمراض الصدر، وتقيحات الجروح، بالإضافة إلى الأمراض النفسية والإصابة بنقص المناعة المكتسبة "الإيدز" والأمراض التناسلية.
6- مخاطر الطريق: يتعرض بعض "أطفال بلا مأوى "إلى فقدان بعض أعضائهم نتيجة مخاطر الطريق، مثل حوادث السيارات بسبب تحركهم وتجولهم المستمر في الشوارع والهروب من أعين الشرطة في الشوارع، وركوبهم فوق القطارات للتهرب من دفع التذكرة، مما يعرضهم للوقوع من فوقه.
7- الإدمان والتدخين وشم الكلة.
9- القتل أو ما يسمى "بالتطهير الاجتماعي".
* وفي وجهة نظركم ما آليات مواجهة هذه الظاهرة؟
** هناك إستراتيجية مقترحة تتمثل في ثلاث آليات:
1- بناء مؤسسات إنتاجية إيوائية من أموال الزكاة تعمل على إعادة تأهيل وتدريب أطفال الشوارع، وذلك على أيدي خبراء ومتخصصين.
2- تفعيل نظام الوقف الخيري للقضاء على الفقر.
3- التنسيق بين المؤسسات الحكومية والهيئات التنسيقية الدولية كـ(منظمة اليونيسيف).
* وما النصائح للحد والوقاية من هذه الظاهرة؟
** الوقاية من خلال تكامل الأسرة لأنها هي المحضن الآمن للتصدي لهذه الظاهرة، وذلك من خلال حسن الاختيار الصحيح للرجل والمرأة على أساس الخلق والدين وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه"، وأيضا قوله "تُنْكحُ الْمَرْأَةُ لأرْبَعٍ: لمالها ولِحَسَبها ولِجَمَالها وَلدينها: فَاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ تربت يداك".