لأن "الشيوعية" سقطت بسقوط "سور برلين" وانهيار "الاتحاد السوفييتي"، ولم يعد هنالك من ينادي "يا عمال العالم، اتحدوا"، ولأن "أمريكا" أعلنت على لسان مفكرها "فوكوياما" أن البشرية في لحظة "نهاية التاريخ" وطبعًا هذه اللحظة هي إعلان انتصار "الليبرالية الرأسمالية"، فلا مانع– إذن- من أن يجتمع الشيوعيون مع الليبراليين (أعداء الأمس)، في خندق تظلله مجموعة من الأفكار الإنسانية العامة، وقد تلاحظ أنها كثيرًا ما تظهر مجافاتها "للأديان"، وضيقها منها باعتبارها مجرد مرحلة تاريخية في عمر الإنسان ينبغي تجاوزها!

 

والغريب أن لحظة "الدروشة" العلمانية التي تبنت أفكار الحضارة الغريبة أتت متأخرة أكثر من نصف قرن، بل متصادمة مع حركة التطور الفكري للعالم؟
ذلك لأن صانعي الحضارة أنفسهم مع جيرانهم انتفضوا عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وأسس فريق كبير من مفكري العالم حركة (ما بعد الاستعمار) (post – colonialism)، انتشرت في كل أرجاء المعمورة، وشارك فيها كثرة كاثرة من مفكرين غريبين أحرار، هذه الحركة أدانت السياسة و"الفكر الغربي"، وأكدوا عدم ثقتهم فيما يفرزه الغرب من فكر، وأن الحضارة الغربية سارت عكس القيم التي أرادتها هي، وأنتجت نظمًا كرست ظلم الإنسان بينما تنادي بالعدالة، وأسست للطبقية الإنسانية رغم مناداتها بالمساواة، وخنقت الإنسان في سجون مادية بينما تنادي بحريته.

 يتراجع عنها وضعوها

وفي الوقت الذي يناضل فيه "دراويش العلمانية المصرية"  بحريات بلا سقف- حتى لو كان الشريعة الإسلامية- نرى "نيوت جنجريتش" المفكر والمتحدث السابق باسم "مجلس النواب الأمريكي" يتحسر على حضارته قائلاً: "يستحيل الحفاظ على حضارة أبنائها ينجبون أطفالاً وهم في الثانية عشرة من العمر، ومن هم في الخامسة عشرة يقتلون بعضهم البعض، ومن هم في السابعة عشرة يموتون بمرض الإيدز، ومن هم في الثامنة عشرة يحصلون على دبلومات لا يستطيعون قراءتها إلا بالكاد).

 

وفي الوقت الذي يريد أصدقاؤنا العلمانيون أن يفسحوا الطريق "للعرقيات"المصرية أن تطل برأسها بزعمم "صيانة حقوق الأقليات"، فإن الأمريكان يشعرون بالخطر الذي يهددهم بسبب عدم سواد ثقافة وطنية للأغلبية، وبروز تنوع ثقافي حاد يهدد الحضارة نفسها، فيقول "جنجريتش": إن الدولة يجب أن تسيطر على هذا التنوع الثقافي وتنظمه حفاظًا على جوهر ما هو أمريكي.

 

هكذا بعد قرون من الأفكار الليبرالية المحضة فإنهم يرون حضارتهم مهددة، لأنها لم يكن لها هوية ثقافية غالبة يتوحدون عليها، فإذا كان الله قد حبا مصر بشكل طبيعي "هوية إسلامية" فعلى كل "ليبرالي" أصيل أن يعمل على تدمير هذه الهوية حتى نسير على نفس القضبان الأمريكية، وحتى تعاني من الأدواء نفسها، وحتى تلتقطنا اليد الأمريكية بالدواء؛ لأنها لا تعرف دواءً إلا لتلك الأمراض الشبيهة بأمراضها هي.

 

وبالعكس ربما تستغرب حين ترى اللغة العربية مهانة، بل مُحاربة من "الليبراليين"، ولا نرى منهم مدافعًا عنها أبدًا، في الوقت الذي يرى فيه "جنجريتش" وأمثاله أن الأمريكان الذين يتحدثون الإسبانية في ميامي ولوس أنجلوس، والمدن التي تتحدث الفرنسية في نيوإنجلند، والذين يتحدثون الكريولية في بروكلين هؤلاء جميعًا مجرد وجودهم يمثل خطرًا يهدد الحضارة الأمريكية.

 

ليس أمامنا- بكل أسف- إلا أن نصدق العبارة الشهيرة التي صدم بها "صامويل هنتجنتون" العالم حين قال: "علينا أن نستغل الخلافات والنزاعات بين الدول الكونفوشية والإسلامية، وندعم الجماعات المناصرة للقيم والمصالح الغربية، ونعزز وندعم المؤسسات الدولية التي تعبر عن المصالح والقيم الغربية، وتضفي عليها مشروعية، ونشجع انضمام الدول غير الغربية في هذه المؤسسات".

 

إخواننا الليبراليون إذن يبشروننا بالرخاء والرفاهية والسعادة في كل تفاصيل الحياة، إن نحن أطعناهم وسرنا وراء أفكارهم الإنسانية العطوف الودود، وهم يناضلون بسخاء نفس حتى يصلوا بنا لاستقبال "المهدي العلماني المنتظر" الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جورًا، ويشترطون في هذا ألا نجعل للدين سلطانًا على الحياة السياسية، وأن تكون أفكارنا كلها من بنات عقولنا، لا ضابط لها إلا ما نراه في صالحنا، وهم يخافون على الدين إذا نزل بساحة السياسة أن تلوثه أيادي السياسيين القذرة، وأن يتلاعب به تجار الدين المحترفون، وهم يظهرون كأنهم أكثر حرصًا علينا من خالقنا، هذا الخالق العظيم الذي اختار لدينه أن ينزل إلى ساحات السياسة ولا يخشى على دينه من التلوث، ولا يخشى على عباده من التضليل باسم الدين؛ لأنه وعدنا بوجود عدول من العلماء في كل جيل ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

 

وإذا كانت دعاواهم ساقطة إلى هذا النحو فعليهم أن يفيقوا لأن أبناء الوطن لن يظلوا في الغيبوبة التي يصنعها الإعلام العلماني، ولأنهم سيجدون أنفسهم مُطالبين بدفع تهم قاسية نتهمهم بها اتهامًا صريحًا؛ وذلك "بأنهم فصيل من فصائل النضال عن الحضارة الأمريكية، وأنهم المتحدث باسم هذه الحضارة في ديارنا" وحين يقنعوننا بردود قوية لا يمتلكونها، وبرهان ساطع لا يحوزونه، نستطيع وقتها أن نعذرهم على هذا الخلط والأكاذيب التي يروجونها عن القيادة السياسية المصرية، وعن "الدستور".

 

لقد جاءني ابني الطالب بكلية الحقوق يشكو من أن أحد أساتذته يسخر من مسودة الدستور والجمعية التأسيسية بمناسبة وبغير مناسبة، وأنه يقول لهم إن الدستور الأمريكي 13 مادة فقط فلماذا كل هذا اللت والعجن من هذه "الجمعية التأسيسية" الجاهلة؟

 

ولما نهرت ابني وقلت لعله لم يسمع جيدًا، أتاني في يوم ثانٍ ليؤكد أن أستاذهم ذكر المعلومة نفسها عن الدستور الأمريكي وأتبعها بالسخرية نفسها، حينئذ تذكرت قول د.جمال جبريل أحد أعضاء "الجمعية التأسيسية" حين قال: "إن الغالبية العظمى من المشاهير الذين يعترضون على مسودة الدستور حين نقابلهم تتأكد أنهم لم يقرءوها".

 

وأستاذ الحقوق لم يعلم أن الدستور الأمريكي به سبعة أبواب مقسمة إلى فصول وأن أبوابه تقريبًا هي نفس أبواب الدستور المصري المقترح بإضافة باب الفيدرالية الذي يمايز الأمريكان عن المصريين؛ لكنه يتبرع بتزييف الحقائق في عقول تلامذته انتصارًا للمعارضة العلمانية التي تستبيح كل الوسائل للوصول إلى غايتها.

 

ورغم الجهل الذي لا نتصوره من مثله، فإنه يمثل حالة علمانية راهنة لزمرة من الناس تبشر أبناء الوطن بأفكار يتراجع عنها واضعوها، وبحضارة تسقط بيد أبنائها، ويبشرون بـ "مهدي منتظر" غالبًا سيكون "المسيح الدجال".

 

--------------- 

Mohamedkamal62@ymail.com