ينظر إلى ازدواجية التعليم على أنها عملية تخصيص فصول أو مدارس للقادرين متميزة عن المدارس العامة. هذا مظهر صريح من مظاهر ازدواجية التعليم ولا جدال. وهذه الآثار ينجم عنها آثار كارثية تدمر نهضة الأمة . ومن هذه الآثار السلبية انها تكرس لفكرة توريث الطبقة الاجتماعية، وعدم تجانس المجتمع، وإحساس الفقراء بالقهر والظلم الاجتماعى، ومن ثم تكريس الأحقاد بين طبقات المجتمع، وضعف تماسكه.

 

والآثار سابقة الذكر تمثل بعض الآثار الخطيرة لازدواجية التعليم. والشكل النمطى الذى تعارف عليه رجال التربية باعتباره ازدواجية التعليم، ليس المشكلة الوحيدة التى تنتج عنها تلك الآثار. وأستميح أساتذة التربية عذراً، أن نتعامل مع مشكلة الغِشّ فى الامتحانات على أنها تمثل - بشكل ما- ازدواجية للتعليم. وهذا التأطير لتلك المشكلة باعتبارها ازدواجية يتأتَّى من جانبين أحدهما هو وجود تشابه بين الغِشّ والازدواجية وهو أنَّ كلا منهما يصاحبه تباين الظروف المتاحة للمتعلمين المتناظرين، وثانيهما تشابه آثارهما السلبية على التعليم فى بلادنا. وأرى أنَّ آثار الغِشّ قد تكون أكثر تدميراً من ازدواجية التعليم، فهو يمثل ازدواجية خبيثة متحوِّرة أشدُّ شراسة على التعليم. ومن آثاره الخبيثة أنه يُدَمِّر قيم المجتمع وتقاليده.

 

ذلك أنَّ الغِشّ فى الامتحانات يمثل مشكلة ازدواجية فى التعليم، لأن الغِشّ فى امتحانات التعليم العام ينشأ عنه نوعيتان من الطلاب: النوعية الأولى من الطلاب يتاح لهم الغشّ، فيملأون أوراق الإجابة من زملائهم أو من إجابات تأتيهم من خارج اللجنة. ومن ثم ينهار مستوى طلاب تلك المدارس لأنَّ الطلاب تقل دافعيتهم وإقبالهم على التعليم والتعلم طالما أنَّ الغِشّ مصدراً مهماً فى نجاح الطالب. وهذا فى النهاية سيؤدى إلى أن يكون لدينا طلاب لم تُمْحَى أمِّيَتهم، وهؤلاء قد يلجأون إلى التَسَرُّب من التعليم، أو يكون أمامهم الالتحاق بالتعليم الفنى ويواصلوا الغِشّ حتى يحصلوا على شهادة الدبلوم. ولا أعنى هذا أننى أُقََلِّل من أهمية التعليم الفنى بالمرة. ولكن للأسف واقع يجب أن نعالجه. والنوعية الثانية من الطلاب فى بيئة مدرسية لا تشجع الغشّ، وتدفعهم بيئة المدرسة على الجِدّ والاجتهاد فيلتحقون بالتعليم الثانوى العام. وهذه ازدواجية حيث يتم تسرب الطالب أو التحاقه بنوعية ما من انواع التعليم الثانوى بناء على مدى جدية المدرسة فى محاربة أو ترويج ظاهرة الغِشّ فى الامتحانات.

 

وقد يساعد على الغِشّ بعض المتغيرات فى بيئة المجتمع وبيئة المدرسة، ويتضح ذلك من النوعيات التالية للغش:

• ان يكون الغِشّ بدافع الرأفة والرحمة من الملاحظين بالطلاب: فترى بعضهم اختلط عليه إقرار الغِشّ بمشاعر الرأفة والرحمة والشفقة والطيبة والكرم، وما إلى ذلك من الأخلاق الفاضلة. أى أنَّ البعض يلتبس عليه الأمر ويُلْبِس الغِشّ لباس الأخلاق. وهذا مَكْمَن الداء فى الغشّ، حيث يأخذ الغِشّ مظهر الشهامة والأخلاق الحميدة. ويتضح من ذلك أنَّ هذا الغِشّ يمثل جرثومة خبيثة تشبه الخلايا السرطانية. ويكمن الشبه بين الخلايا السرطانية وبين الغِشّ فى تلبس الغِشّ بالخلايا الأخلاقية، وتلبس السرطان بخلايا الجسم. ومن هنا فإن محاربة هذا الغِشّ تصطدم بالجدار الأخلاقى للغش.

 

• ويأخذ الغِشّ بُعداً اجتماعياً. فى بعض الحالات خاصة فى نهايات المراحل التعليمية يكون الغِشّ متاحا لأبناء عِلْيَة القوم. وقد سمعنا عن هذا أشياء يشيب لها الولدان، كأن يتاح الغِشّ جهاراً نهاراً لأبناء علية القوم الذين يتبوءون مراكز مهمة مؤثرة فى البلد مثل أبناء العاملين بأمن الدولة سابقاً أو بعض القيادات العليا فى أجهزة الدولة المختلفة. فى تلك الحالات قد يتاح الغِشّ لهم على سمع وبصر زملائهم فى اللجان، الذين يحسون بالقهر والظلم، ويسيل لعاب بعضهم للغِشّ دون أن يطعموه. وقد يتم عمل لجان خاصة ينقل إليها أبناء الصفوة حتى لا يكدر جو الغِشّ نظرات الحاسدين من زملائهم. كما قد يكون الغِشّ لهذه الفئة من الطلاب بطريقة لائقة بمقام والديهم حيث يتم تسريب الامتحانات لهم قبل عقد الامتحانات فيتاح لهم تجهيز إجابة نموذجية، وكل ما على هؤلاء الطلاب أنَّ يتكلفوا عبء الذهاب لِلَجنة الامتحانات ويتكرموا بنقل الإجابة فى كراسة الإجابة. ويظهر أثر هذا الغِشّ على مستقبل هؤلاء الصفوة خصوصاً فى امتحانات الثانوية العامة، وفى هذه الحالات يحصل هؤلاء الطلاب على مستوى زائف مرتفع، ويحتلون مواقع تليق بمواقع والديهم فيلتحقون بالكليات المرموقة، بينما يحصل نظرائهم فى المستوى العلمى على درجات قد تتيح لهم معاهد متوسطة. كما أنَّ هذا النوع من الغِشّ يؤثر سلبا على فرص بعض الطلاب المتميزين – ولو آحاد - من الالتحاق بكليات القمة. وبالتالى فإن هذا الغِشّ يعنى أنَّ التفاوت الكبير فى المكانة الاجتماعية للوالدين يؤثر فى توزيع بعض الطلاب بالجامعة.

 

• كما يكون الغِشّ تحت الضغط والتهديد سواء من أولياء الأمور أو بعض الطلاب. فى تلك الحالة يتخذ الغِشّ لباس التقية. وبالتالى فإنَّ بعض المعلمين يخافون على أنفسهم وحياتهم عندما يقعون تحت الضغط والتهديد، فيضطرُّون للتساهل وإتاحة الغِشّ.

 

ويمكن علاج جرثومة الغش ببعض الإجراءات، مثل:

1- استخدام احتياطات أمنية كافية باللجان الامتحانية لحماية الملاحظين من الضغط عليهم وعدم خضوعهم للتهديد بالإهانة أو الضرب والإيذاء البدنى. مما يجعلهم يؤدون أعمال المراقبات فى جو آمِن.

 

2- توفير استراحات آمِنة للمعلمين الذين يقيمون فى أماكن بعيدة عن محال إقامتهم. وذلك يجعل التهديد أقل ما يمكن.

 

3- توفير عمالة باستراحات المراقبين، تقوم على توفير ما يحتاجونه من الطعام والشراب، خصوصا فى حالة وجود اللجان فى مناطق نائية.

 

4- الحسم فى محاربة الغِشّ فى الامتحانات، ووضع عقوبات رادعة للبلطجة فى الامتحانات.

 

5- زيادة عقوبة المعلم الذى يُسَهِّل الغِشّ.

 

6- التوعية الثقافية والأخلاقية بخطورة الغِشّ على الفرد والمجتمع، ومدى خطورة الغِشّ على قيم المجتمع، وتوضيح رأى الدين فى الغشّ.

 

7- العناية برفع مستوى التعليم فى مدارسنا، بحيث يجد التلميذ بيئة تعلم تؤكد على جودة التدريس ورفع كفاية المنتج التعليمى.

 

8- الاهتمام بتطوير منظومة التقويم بحيث لا تؤكد على قياس الحفظ والترديد.

------------

* الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج