على طريق الحق يتصل العظماء من الأنبياء والمرسلين والتابعين بربهم؛ أملاً وعملاً، وعلى طريق الدعوة والدعاة تتكاثر أسباب العمل، وتتسع بوارق الأمل؛ لكشف الظلم ونهوض الأمم وبلوغ القمم.

 

عندما تتلبد الأجواء بالغيوم، وتتكاثر في الأرض الهموم، وتخبو الأنوار في الحياة، وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض، هنا يتجلى في الأفاق شعاع نافذ، علاج شافٍ، درس عظيم هو درس الأمل.

 

أعداء يتربصون بالإسلام يومًا بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، بل لحظة بعد لحظة، يبثون سمومهم، وينشرون أمراضهم، ويمررون حقدهم، لماذا؟!! يريدون أن يلحدوا هذا الشعب ويحطموا أخلاقه، يودون أن يذهبوا قيمه ويدمروا مبادئه ويطمسوا هويته ويعلمنوا دستوره.

 

أحمال ثقيلة على أصحاب الدعوات، عقبات كبيرة في طريق المصلحين والمصلحات، هنا يبزغ فجر الأمل، الأمل الذي كان يصحب النبي صلى الله عليه وسلم عندما ادلهمت حوله الخطوب وتكاثرت عليه الشدائد وترادفت أمامه النوازل، وأحاطت به الضوائق فلجأ إلى ربه مؤملاً فيما عنده.

 

يعلمنا أنه لا سبيل لانتظار الفرج إلا بالتوجه إلى الله ولا سبيل لمقارعة الباطل إلا بالاستعانة بالله ولا سبيل لمواجهة الهموم إلا بالتوكل على الله، والله عز وجل يداول الأيام بين الناس (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140).

 

ويعلمنا أن القوي لا يظل قويًّا أبد الدهر، والضعيف لا يظل ضعيفًا طول العمر وإنما يجعل الله من بعد الضعف قوة ومن بعد المرض صحة، ومن بعد العسر يسرًا، ومن بعد الخوف أمنًا ويجعل الله من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا فالمؤمن يجب أن يتوجه إلى ربه عز وجل، يؤمل فيما عند الله عز وجل.

 

يجب ألا ييأس المؤمن؛ لأن اليأس شيمة الكافرين، وطريق المنافقين (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87)، إن اليأس قاهر للرجال، محطم للأجيال، مضيع للأعمال، مدمر للآمال، أما الأمل فهو قوة دافعة تشرح الصدور، وتشرق الوجوه، وتبعث النشاط، الأمل إكسير الحياة، وصانع السرور، إنه حلو المذاق، جميل المحيا، عالي القيمة، والمؤمن أوسع الناس أملاً وأصفاهم نفسًا وأطهرهم قلبًا وأرحبهم صدرًا، وأكثرهم تفاؤلاً واستبشارًا.

 

لماذا؟!! لأنه يؤمن بأن هناك قوة تدبر هذا الكون لا يخفى عليها شيء ولا تعجز هي عن شيء، قوة غير محدودة وغير محصورة وغير منتهية، هي قوة الله الذي يحي ويميت، يغني ويفقر، يعطي ويمنع، يعز ويذل (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 26)، يجيب المطر، ويكشف السوء، أرحم بعبادة من الوالدة بولدها، وأبر بخلقه من أنفسهم.

 

المؤمن يجد في ربه الملاذ في الشدة، والأنيس في الوحشة، والنصير في القلة، والمغيث في الكربة، والنور في الظلمة.. إذا حارب كان واثقًا في النصر؛ لأنه مع الله فالله معه (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات- 173:172).

 

وإذا رأى الباطل ينتفش في غفلة أهل الحق أيقن أن الباطل في اندثار، وأن الحق في انتشار (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء: 18).

 

يتجه إليه المكروب يسأله الصبر والرضا، ويتجه إليه المظلوم يؤمل في عونه ونصره، ويتجه إليه المحروم يسأله أن يرزقه ويُعطيه، ويتجه إليه المكلوم راجيًا الأجر والثواب: (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: 104).. إنه طريق العظماء.. كيف؟!

 

إبراهيم عليه السلام طلب الولد وهو شيخ كبير (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات: 100)، فاستجاب الله له وبعث إليه الملائكة تبشره (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) (الحجر: 53).

 

يعقوب عليه السلام بعد أن طالت غيبه يوسف عنه كان جديرًا أن يفقد الأمل في لقائه، إلا أنه لم يتسرب إليه اليأس بل قال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 83).

 

أيوب عليه السلام أصابه مرض عضال فأمل فيما عند الله من شفاء في أدب جم صبر جميل (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 83 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء: 84:83).

 

يونس عليه السلام ابتلعه الحوت وكان محاصرًا بظلمات ثلاث ولكنه لم يفقد الأمل (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ 87 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنباء- 88:87).

 

موسى عليه السلام يسري بقومه؛ لينجوا بهم من فرعون وجنوده فكان العدو من خلفه والبحر من أمامه (فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ 60 فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) (الشعراء: 60، 61)، لكن موسى لم يفزع ولم ييأس تحلى بالأمل قائلاً: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: 62)، ونُجي موسى وأصحابه ولم يذهب أمله سدى.

 

محمد صلى الله عليه وسلم في الهجرة يطمئن أبو بكر في الغار ما ظنك باثنين الله ثالثهما (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40)، وهو الذي قال لابنته فاطمة رضي الله عنها: "إن الله مانع أباك وقال لزيد بن حارثة عندما أراد أن يعود إلى مكة بعد أحداث الطائف إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا إن الله ناصر دينه ومظهر نبيه".

 

ويتكالب الأعداء على الدعوة ويتألم الشرك الوثني بكل عناصره، والغدر اليهودي بكل تاريخه، ويشتد الأمر على النبي وأصحابه.. قريش وغطفان من خارج المدينة، اليهود والمنافقين من الداخل، القران يصور هذا الموقف: (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا 10 هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) (الأحزاب- 11:10).

 

في هذه الساعات العصيبة التي يتلاشى فيها عود الأمل، ويخبوا فيها شعاع الرجاء، ولا يفكر المرء إلا في الخلاص والنجاة، النبي يشارك مع أصحابه في حفر الخندق لصد الغزاة وتعويق الطغاة، يحدث النبي أصحابه عن الغد المأمول والمستقبل المرجوحين يفتح الله عليهم بلاد كسرى بفارس، وبلاد قيصر بالشام، وبلاد اليمن بالجزيرة حديث الواثق المطمئن المؤمل فيما عند الله حتى أثار المنافقين: إن محمدًا يعدنا كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء وحده (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) (الأحزاب: 12)، ومنافقو اليوم يرددون نفس المنطق في الإعلام، ويثيرون حفيظة الناس أنه لن يتحقق شيء مع الإسلاميين ولكن الله سيخذلهم ويوفق المصلحين إلى النهوض والانطلاق والإشراق بإذنه تعالى.

 

في الهجرة من مكة والنبي خارج من بلده خروج المطارد المضطهد الذي يغير الطريق، ويأوي إلى الغار، ويسير بالليل، ويختفي بالنهار، يقول لسراقة: "يا سراقة؛ كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسري؟ فيعجب الرجل ويبهت ويقول: كسري بن هرمز؟ فيقول: (نعم)، فيتحول قلب سراقة من طالب لمحمد صلي الله عليه وسلم إلى حارس له يعمي القوم عنه!!

 

إن أشد ساعات الليل ظلمة تسبق فزوغ الفجر، وأشد لحظات السماء تلبدًا بالغيوم تسبق هطول المطر، وأشد أوقات المرأة إيلامًا تلك التي تسبق نزول الولد!! وإلا ماذا تسمي الشعاع الذي يبزغ في دياجير الأحداث من القلوب الكبيرة فينير لها الطريق، ويبدد أمامها الظلام، وينزل عليها الغيث؟ الأمل للمصلحين ينير دربهم ويقوي عزمهم ويشد أزرهم ويجمع أمرهم ويبدد اليأس في طريقهم، مهما تكاثرت العقبات وكانت الصعوبات، مهما ترادفت الضوائق وكانت الشدائد، إنه الأمل في نصر الله (بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 5 وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم- 6:5).

 

من كان يظن أن أهل غزة رغم قلة عددهم وعتادهم سينتصرون على أعتى قوة عسكرية في العالم؟! إنه الإيمان والأمل والعمل.

 

من كان يظن أن شعوب الربيع العربي ستطيح بكل الطغاة في فترة لا تساوي في عمر الزمن شيئًا؟ إنه الأمل والصمود والعمل.

 

من كان يظن أن المُعتقل المُشاكس في برلمان 2005 (الاحتياطي) دكتور مرسي سيخرج من سجنه إلى رأس الدولة رغم التعويق والتشويه والتشتيت؟! إنه الأمل والثبات والعمل.

 

الأمل لا بد منه لدعم الرسالات وإقامة النهضات ونجاح البطولات، وإذا فقد المصلح أمله فقد دخل المعركة بلا سلاح، بل بلا يد تمسك بالسلاح، فأني يرتجي له نجاح؟ أو يأتي إليه فلاح؟ أما إذا استصحب الأمل فإن الصعب سيهون، والضر سينكشف، والبعيد سيدنو، ولأيام تقرب البعيد، والزمن جزء من العلاج.

-----------------

alnakeeb28@yahoo.com