شغلتني لعدة أسابيع أنا وزملائي في الدراسات العليا قضية المشهد النقدي اليوم، وسيطرت على أذهاننا؛ ولذلك حاولتُ أن أصل إلى تفسيرٍ حقيقي لهذا الوضع الذي انتهى إليه النقد الأدبي في بيئتنا الأدبية.
مفارقة الواقع وكسر المعيار
والحقيقة أنني وجدتُ أن السبب وراء كآبة المشهد النقدي اليوم وانصراف النقاد عن النقد ومتابعة الأعمال الإبداعية ليس هو ضعف الإنتاج الإبداعي كما يقول الدكتور صلاح فضل وبعض النقاد. فليس من المنطقي أن يخلو كل هذا السيل الكاسح من الأعمال من أعمالٍ إبداعيةٍ ذات مستوى فني راقٍ، فالصيَّاد الذي يلقي بشبكته في النهر ثم يخرجها خاويةً، لا يستطيع أن يقول إن النهر ليس به أسماك؛ لأنه حتمًا في هذا النهر الكبير توجد أسماكٌ كثيرةٌ، ومن يدرينا لعل بعض الأسماك مرتْ أمام هذا الصيَّاد دون أن يراها، أو أن بالشبكة التي يستخدمها الكثير من الخروق التي تحتاج إلى الرتق(1).
إن السبب الحقيقي في كآبة المشهد النقدي يرجع إلى ارتباك النقاء الشديد حيال هذه النوعيَّة الجديدة من إبداع الحداثة، فالفنون تتراسل والكتابة عبر النوعية أصبحت دائر جذب، تجذب إليها بشدة أقلام المبدعين، ومحاولات التجريب والتجديد لا تنقطع بشكلٍ يبرهن على صحة الفرضيَّة المتنبئة التي طرحها الأستاذ الدكتور بسَّام قطوس حينما قال "إن الإبداع كسرٌ للمعيار"(2)، والهوة بين النقاد والمبدعين تزداد كل يوم بشكل يشبه القطيعة، فالمبدع يريد أن يجد له مكانًا فوق قمة الإبداع، ومن هنا فإن المبدع يكسر ويجاوز المعايير والتقاليد المعروفة، ويفارقها من أجل خلق منظومةٍ غير نمطية تكون بمثابة ركائز فنيةٍ يشد إليها أطراف أعماله الإبداعية التي تهدف إلى أن تكون مختلفةً ومفارقةً. المسألة هنا إذن ليست عبثًا طفوليًّا أو عشقًا للفوضى يهدف إلى مجرد التدمير الأهوج والتغيير الأعمى، بقدر ما هو تدميرٌ بنَّاءٌ وحكيمٌ، وتغييرٌ خلاَّقٌ ومبصرٌ، فمبدع الحداثة يسعى إلى كسر المعايير من أجل خلق معايير أخرى أكثر فنيةً وإبداعًا(3).
ومن هنا فإننا نجد كل عملٍ من الأعمال هو نفسه عبارة عن شكلٍ جديدٍ من أشكال التجريب، فماذا سيفعل الناقد حيال قصةٍ تسرق قالب الشعر وتمسخ به نفسها، أو قصيدةٍ عجيبةٍ في شكلها ومضمونها مكتوبة في جداول بيانية وتتخللها أشكالٌ هندسيةٌ من قبيل المثلثات والمربعات(4)، هذا من حيث الشكل أما المضمون فالمفارقة أكبر، ولا داعي للإطالة في هذا الموضوع، فماذا سيفعل الناقد إذن حيال كل هذا؟، إن أدواته ومناهجه النقدية التقليدية حتمًا لن تسعفه، فأدواته ستتداخل ومناهجه ستختلط وتتحوَّل المفاتيح التي كان من المفترض أن تفتح لنا أبواب النص للولوج بداخله إلى مفرقعاتٍ يندك تحتها البناء بكامله، والسبب في ذلك واضح، فإبداع الحداثة مفطورٌ على مفارقة الواقع وكسر المعيارية، في حين أن النقد لم يتطوَّر بالشكل الكافي ولا بالسرعة المطلوبة لمجاراة خطوات الإبداع الواسعة والمتتابعة، والتي تلهبها حماسًا رغبة كل مبدعٍ في التفرد وبلوغ الذروة. فسلحفاة النقد لا تستطيع أن تلحق بأرانب الإبداع، من هنا كان صمت النقاد وكآبة المشهد النقدي.
مشكلة التلقي والبحث عن منهج
على أن للموضوع زاويةً أخرى جوهريةً يمكن لنا أن ننظر من خلالها، فدعونا نقرر حقيقة بديهية، وهي أن الناقد شأنه كشأن القارئ حينما يُشرع في قراءة أي عمل إبداعي سواء أكان قصةً أو قصيدةً أو مسرحيةً، فإن في ذهنه تُوجد منظومةٌ خاصةٌ للتلقي تختلف باختلاف الجنس الأدبي(5). فقواعد التلقي لدى قارئ القصة تختلف عن مثيلتها لدى قارئ القصيدة؛ فالأول يدرك أن هناك شكلاً ومضمونًا وقالبًا معينًا للقصة يميزها عن غيرها من الأشكال الفنية، وعلى هذا الأساس يستقبل العمل الذي أمامه وفق هذه الأسس الموروثة سلفًا.
والشيء نفسه بالنسبة لقارئ القصيدة أو المسرحية، وإذا حدث في وقت ما أن تعارضت منظومة التلقي أو ميراث التلقي مع عمل ما كان من المفترض أن يقع تحت هذه التراكمات كأن نجد عملاً فنيَّا يقع في منطقة وسط بين الشعر والقصة، فلا هو بالشعر ولا هو بالقصة- حدثت صدمة نسميها بصدمة التلقي لدى الناقد/ القارئ، وهذا هو ما يحدث الآن على الساحة الإبداعية، فالأعمال الإبداعية تفارق منظومة التلقي الموجودة في الوعي الثقافي لدى النُقَّاد/ القُرَّاء، وهذا سبب آخر من أسباب صمت النقاد.
الخلاصة ونتيجة الاستقراء
مشكلة المشهد النقدي إذن يمكن أن نحصرها في عنصرين:
أولاً: مشكلة تلقٍ، فالذي يُعرض من نتاجِ الحداثةِ مفارقٌ لموروث التلقي.
ثانيًّّّّّا: مشكلة أدوات ومناهج نقديِّة تقليديةٍ لم تتطوَّر بشكلٍ يساعد على إقامة حوارٍ خلاَّقٍ بين النقد والإبداع (النُقَّاد والمبدعين).
مأزق النقاد ونقد النقد
والدكتور محمد عبد المطلب، وهو ناقدٌ كبيرٌ ومعروفٌ يعترف ويقدِّم حقيقةً- وهي حقيقة ربما لا يقبلها الكثير من النقاد- بأن الخطاب الأدبي يُقدِّم أشكالاً من التجديد أو التجريب- الدكتور محمد يسميها تجاوزات- تفارق معظم مناهج النقد التي نعرفها: كلاسيكية ورومانسية.
فالخطاب الأدبي عمومًا والشعري خصوصًا قد أوغل في تجاوزات تكاد تقطع العلاقة بينه وبين معظم المناهج النقدية التي نعرفها:
لاسيكية ورومانسية؛ ذلك أن الخطاب لم يعد يحاكي الواقع، بل يريد خلق واقعٍ جديدٍ (6)، وإني أتساءل: طالما أن الخطاب الأدبي لم يعد يحاكي الواقع ويريد أن يخلق واقعًا جديدًا فلماذا لا يشجعه النقد، ويحذو حذوه ويقيم معه حوارًا خلاَّقًا حميمًا من أجل إحداث نقلة نوعية جديدة نجدد بها الحركة الإبداعية والنقدية معًا؟، لماذا نصر دائمًا على التمسك بما هو كلاسيكي وتقليدي ومألوف؟ فلا بد من تجريب طرق جديدة لخلق دلالات جديدة مكتنزة بالمعني، ومهمة القراءة النقدية عندئذ هي إقامة الحد الفاصل أمام المبدعين بين الإبداع الخلاَّق، والتهويمات العبثية، لأننا أولاً وأخيرًا بوصفنا قراء نريد شيئًا مفيدًا يضيف إلى مخزوننا الثقافي والمعلوماتي.
إن النقاد- بأمانة شديدة- في أمسِّ الحاجة إلى وقفةٍ مع النفس لنقد النقد، وأنا وكل من يتألم لرؤية الدماء المتيبسة في العروق ندعوهم إلى هذه الوقفة الواجبة، من أجل إضافة ولو قليلٍ من الإشراق إلى كآبة المشهد النقدي.
-----------------------------------
الهوامش
1- أنا شخصيًّا أنصح لمن كانت شَبَكَتُه مليئة بالخروق أن يتخلى عنها ويستبدل شبكة جديدة تصلح للصيد.
2- بحث مُقدَّم من الأستاذ الدكتور بسَّام قطوس ضمن فعاليات المؤتمر الدولي الثالث للنقد الأدبي لعام 2003م.
3- راجع " قضايا القصة الحديثة" ربيع الصبروت، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993م، فصل العناصر الجمالية في النص الأقصوصة، اعتدال عثمان، ص28 وما بعدها.
4- انظر "التجديد في القصة العربية المعاصر" مؤسسة يماني الثقافية الخيرية جائزة الشاعر محمد حسن فقي، 1997م، ص28 وما بعدها.
5- راجع مجلة إبداع العدد التاسع، سبتمبر 1988م، ندوة العدد "التغير والقص" إعداد عبد الله خيرت، ص20.
6- راجع "هكذا تكلم النص"، د. محمد عبد المطلب, الهيئة المصرية العامة للكتاب دراسات نقدية، 1997م، الفصل الأول، ص:
7- 64.