بنجاح ثورة 25 يناير رحل المخلوع، وظل بقية جسد النظام في الحكم. وطوال فترة حكم المجلس العسكري ظل حواريو المخلوع في مواقعهم، وقد عمل هؤلاء على نسف كل مبادئ الثورة، في الوقت نفسه يلعنون المخلوع وأيامه، حتى خُيِّل أنهم- ضحايا المخلوع- لحم أكتافهم من إنعاماته، ولا يمكن أن يُخْلِصُوا لهذا البلد.. يعني سَلَّمْنَا القِط مفتاح الكرار.

 

وبعد انتخاب الرئيس مرسي أقصى المجلس العسكري عن الحكم، وبدأ وضع الشرفاء الأكفاء محل حواريي مبارك في المواقع المهمة مثل الجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة الإدارية وغيرها، ثم جاء دور النائب العام فكانت قصة غريبة.

 

إن موقع النائب العام خطير جدًّا باعتباره المسئول الأول عن البحث عن الأدلَّة وصيانتها وتكييفها وخاصة في قضايا حقوق دماء شهداء ومصابي الثورة، أفلت الجناة من يد العدالة لعدم وجود أدلَّة، وذلك أكبر لطمة للثورة، ويتندر البعض بأن الجناة يمكنهم المطالبة بتعويضات عن تلويث سمعتهم، بعد تبرئتهم.

 

تقدم الكثيرون للنائب العام بملفات فساد ضد رموز النظام السابق، ولم يحدث تحقيقات فيها أو تأخرت، ويئس الناس من مجازاة المجرمين الذين دمروا اقتصاد البلاد. فقد تقدم عصام سلطان منذ شهور للنائب العام بملفات فساد للفريق شفيق، كان شفيق حينها مرشحًا لرئاسة الجمهورية.

 

والغريب أنَّه بعد سفر شفيق بمدة تم فتح التحقيق، وأحيل للمحكمة، وهنا يثور تساؤل: هل كان يمكن تحريك الدعوى ضد شفيق كرئيس للجمهورية؟ أليس تأخر العدالة يعني إفلات المجرم؟!

 

يكفي أن نسرد شهادة المستشار المليجي، أحد قضاة محكمة موقعة الجمل؛ حيث قال المليجي في اتصال تليفوني لقناة تليفزيونية: إنَّ النائب العام وقف مع أقارب المتهمين الذين أهانوا قضاة محكمة موقعة الجمل ومنعوهم من دخول المحكمة يومين متتاليين، فاختبأ القضاة عند مدير الأمن وحرروا محضرًا فامتنع النائب العام عن إصدار أمر ضبط وإحضار للمعتدين، فتنحَّى أحد القضاة عن المحاكمة.

 

منذ شهور تعالت القوى السياسية بتقصير رئيس الجمهورية في إقالة النائب العام وفاءً لدم الشهداء، وكلف الرئيس نائبه ووزير العدل والمستشار الغرياني بالتفاهم مع النائب العام، وبناءً على موافقة النائب العام اتخذ الرئيس قرارًا بتعيينه سفيرًا للفاتيكان، ولكن بعد صدور القرار للنائب العام رفض، ووقف الزند رئيس نادي القضاء يدافع عنه في وجه القرار، واتضحت ملابسات الرفض.

 

وبناءً على ذلك عالج رئيس الجمهورية الأمور بحكمة، وتم سحب القرار احترامًا للقضاء، وقفت حينها بعض النخب السياسية تدافع عن النائب العام، تبين من رفض النائب العام القرار بعد موافقته أنه لن يوافق على التخلي طواعيةً عن موقعه، وذلك بفعل وسوسة البعض.

 

وقد أشار الإعلام إلى استقبال النائب العام بمكتبه في أكتوبر 2012 لمجموعة من الأشخاص المنافسين السياسيين للسلطة ليعربوا له عن تضامنهم معه، من بينهم أشخاص مقدمة ضدهم بلاغات محفوظة في أدراج مكتبه، وفقًا لتلك المصادر الإعلامية.

 

ونظرًا لأن نقص أدلَّة اتهام الجناة في جرائمهم بحق الشهداء والمصابين، ونظرًا لأنًَ القوانين لا تسمح بالمحاكمة مرتين عن نفس الجناية، كان لا بد من إيجاد وسيلة دستورية لإعادة المحكمة احترامًا ووفاءً لدماء الشهداء، وكان لزامًا على رئيس الجمهورية أن يستخدم سلطاته في إنهاء هذه المعضلة. أصدر الرئيس إعلان دستوري في 21/11/ 2012 يقرر مواد تتيح إعادة التحقيق والمحاكمة لقتلة الثوار، كما تضمن تعيين المستشار طلعت إبراهيم محمد عبد الله نائبًا عامًّا لمدة 4 سنوات، وبذلك أصبح سيادته نائبًا عامًّا من 22/11.

 

للأسف بعض النخب السياسية كانت تلوم الرئيس على ترك النائب العام المستشار محمود عبد المجيد في موقعه رغم مسئوليته عن خلوِّ قضايا الشهداء والمصابين من الأدلَّة وتباطئه في التحقيق في ملفات الفساد المتراكمة، فلما أقاله الرئيس تحركت تلك النخب تدافع عن النائب العام؛ لماذا هذا التناقض في مواقف النخبة؟!

 

يوم 17/12/12 في حادث غير مسبوق، بعض رجال النيابة حاصروا النائب العام الجديد لإجباره على الاستقالة اعتراضًا على تعيينه بواسطة رئيس الجمهوررية، علمًا بأن تعيينه من اختصاص الرئيس بحكم القانون، وحقنًا للدماء كتب استقالة تعرض على مجلس القضاء الاعلى يوم 23/11/12.

 

وبعد أن زال الاحتقان أخطر المجلس في 20/11 بالعدول عن الاستقالة؛ لأنها جاءت في ظروف غير عادية، ومن ثم أحال المجلس الاستقالة والعدول عنها لوزير العدل بحكم القانون.

 

وأكد فقهاء الدستور مثل المستشار طارق البشري أن تراجع النائب العام عن الاستقالة قانوني من حيث الشكل والمضمون؛ لأنها سبقت البت فيها، كما أن قبول استقالة النائب العام من عدمه من اختصاص الرئيس وفقًا لرأي فقيه دستوري من فصيل المعارضة هو الدكتور إبراهيم درويش، رئيس حزب الحركة الوطنية المصرية.

 

وفي ضوء ما سبق فإن الأحداث تبين التالي:

1- إنَّ صيانة حقوق الوطن والوفاء للشهداء والمصابين أهم من بقاء أي شخص في موقعه مع احترامنا الكامل للمستشار محمود عبد المجيد النائب العام السابق، خاصةً مع ضعف أدلَّة الاتهام التي قدمت في قضايا الشهداء والمصابين.

 

2- نرجو للنائب العام المستشار طلعت إبراهيم محمد التوفيق في البحث عن أدلَّة إدانة الجناة في قضايا شهداء ومصابي الثورة، خاصة مع طمر معالم كثير من الأدلَّة، ونرجو أن يتم حساب المسئولين عن إهدار تلك الأدلَّة كما نرجو إنجاز آمال المواطنين في متابعة ملفات الفساد.

 

3- كان من الأفضل أن يقبل النائب العام محمود عبد المجيد التعيين سفيرًا في الفاتيكان، خاصةً أنه كان محل ثقة مبارك الذي خلع بالثورة، وكان عليه أن يترك الساحة بهدوء، بما يحفظ للمنصب هيبته.

 

4- إنَّ الرئيس يقدر عاليًا نظام دولة القانون، ولكنه لا يتوانى في اللحظات الحرجة أن يستخدم خيار الشرعية الثورية في أضيق الحدود حفاظًا على الوطن.

 

5- أن النائب العام مؤتمن من الشعب على تحريك الدعوى العمومية، ورجال النيابة وكلاء عن النائب العام ومرءوسين، ولا يوجد نص قانوني يسمح لهم بإجبار النائب العام على الاستقالة أو الامتناع عن العمل، فهذا مسلك غير قانوني لهدف غير قانوني، لا يجوز لرجال النيابة إعطاء إحساس للناس أن شريعة الغاب هي الأسلوب المفضل؛ لأن هذا سيحرق رجال النيابة أنفسهم وسيفقدهم ثقة الشعب بهم.. نرفض التغول على القانون خاصةً من النيابة.

 

هذا المسلك يطيح بهيبة القضاء؛ لأنهم مؤتمنون على حماية القانون، وهيبتهم يكتسبونها من احترامهم للقانون؛ فكيف يضربون به عرض الحائط على مرأى ومسمع من الكافة؟!

---------

* الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج.