لا بد للرئيس من سرعة القيام بثورة ضد الثورة المضادة للارادة الشعبية, والمقصود هو تقييم المسار واقتراح الخطوات الثورية للرئيس.

 

ما حدث منذ تنصيب الرئيس، مرورًا بإزاحة العسكر، والإعلان الدستوري، وصولاً إلى الاستفتاء الأخير؛ يمكن تلخيصه في محاولة "انقلاب سلمي بالقوة المسلحة".. شخصيات متناقضة (الليبرالي الرأسمالي والاشتراكي الناصري) تعتبر حاليًّا رموزًا سياسيةً لا يجمعها إلا كراهية الرئيس؛ بسبب مشروعه الإسلامي, تحاول الظهور كجبهة للإنقاذ؛ لإعاقة مسيرة الديمقراطية بكل السبل غير المشروعة على الأرض وبتمويل ودعم إعلامي لا يخفى على أحد.

 

والحقيقة أن المعارضة الوطنية يفترض أنها التي تتفق مع نظام الحكم على الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، لكنها تختلف في كيفية تحقيق مصالح المواطنين؛ بما يعني أنها تمارس نقد سياسات الحاكم لتقديم البديل الأفضل، من خلال الوصول للسلطة (من خلال الصناديق) لتنفيذ هذه البدائل.

 

يحتج المعارضون بانخفاض نتيجة الاستفتاء الأخير (64% نعم, 36% لا) مقارنةً باستفاء العام السابق (77% نعم و23% لا)، وكلاهما تقريبًا يمثل نفس المواجهة (بين الإسلاميين والعلمانيين)، وهذا صحيح ولكن!! استفتاء العام السابق كان بتوجيه من القوى الإسلامية على أساس أن "نعم" تحمي الهوية الإسلامية ومبدأ تطبيق الشريعة، وأن "لا" تعرض ذلك للخطر وكان ذلك صحيحًا؛ لأن "نعم" ستنتج أولاً برلمانًا ينتخب جمعيةً تأسيسيةً لإنتاج الدستور، يعني دستور من خلال الإرادة الشعبية، أما "لا" فتعني قيام السلطة، وهي المجلس العسكري، بالتعاون مع النخبة (العلمانية) بتعيين أعضاء التأسيسية لإنتاج الدستور، والنتيجة كانت نجاح الإسلاميين باكتساح، ولذلك قامت الثورة المضادة بحل البرلمان المنتخب.

 

حدث الشيء نفسه في الاستفتاء الأخير مع الفارق؛ فالمنافسة لم تكن على مواد الدستور، بل كانت صراعًا سياسيًّا بين الرئيس ومشروعه والتيار الإسلامي، وبين الطرف الآخر الممثل (شكلاً في جبهة الإنقاذ)، والفارق أن الإسلاميين لم يوجهوا الناخبين؛ لأن "نعم" مع الهوية الإسلامية وأن "لا" ضدها، بل كان فقط موقفًا سياسيًّا لدفع الأوضاع للأمام ببناء المؤسسات ودوران عجلة الإنتاج بدلاً من إطالة المرحلة الانتقالية كما تريد جبهة الإنقاذ، والتي اتخذت في الاستفتاء الأخير موقفًا فاصلاً (مثل موقف الإسلاميين بالاستفتاء السابق) بضرورة إلغاء الاستفتاء، بالعنف والقوة، فلما فشلت تراجعت لمقاطعته، فلما تأكدت من ضعفها تراجعت للمشاركة بالتصويت بـ"لا"؛ بحجة أنه دستور يعبر عن الإسلاميين فقط؛ يعني المواجهة أيضًا.. إسلاميين ضد علمانيين، وكان بديهيًّا أن تخسر الجبهة الجولة، وتم نجاح الدستور بـ64% (كان تمرير دستور فرنسا بـ53% وإيطاليا بـ61%) بعكس ما يروِّج الإعلام.

 

أما سببب انخفاض نتيجة الاستفتاء الحالي عن السابق فهو مهم جدًّا، وهو تحالف جبهة الإنقاذ مع شبكة النظام السابق (كانت مختفية بالعام السابق) رموز الحزب البائد والمال والإعلام وأمن الدولة وفلول القضاء؛ الذين استطاعوا الحشد المضاد على الأرض الممول والمغطى إعلاميًّا ومدعوم خارجيًّا من أمريكا و"الكيان الصهيوني" وإيران والإمارات والاتحاد الأوروبي "الكل ضد الإسلاميين"؛ لأسباب مختلفة لكل طرف لكنها معروفة، وليس هذا مجالها.

 

هذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه الثورة المضادة، وبالرغم من ذلك انتصر الإسلاميون بارتياح, والحقيقة أن المقارنة المنطقية تكون بين الاستفتاء الأخير وبين انتخابات الإعادة للرئاسة؛ لأنها كانت بالضبط نفس المواجهة؛ فكل العناصر والدول المذكورة كانت مع شفيق ضد مرسي، ونجح الرئيس بـ52% فقط، في حين أن المواجهة الأخيرة كانت نتيجتها 64%؛ مما يعني ارتفاع شعبية القوى الإسلامية ومشروعها في مصر في مقابل الأطراف الأخرى، ولا يعني ذلك أن الجماهير التي صوتت بـ"لا" كلها ضد المشروع الإسلامي (الرموز هم الذين ضد المشروع)، فلولا التضليل الإعلامي والتخويف من الإسلاميين والتمويل الكاسح (عناصر النظام البائد) لكانت النتيجة أعلى من الاستفتاء السابق.

 

لذلك على الرئيس ضرورة التحرك فورًا وبقوة نحو خطوات متوازية:

الدعوة لانتخابات البرلمان خلال حد أقصى 45 يومًا, وانعقاد مجلس الشورى دون انتظار البرلمان لإصدار قانون السلطة القضائية؛ ليتم التخلص من فلول القضاه، وقانون تنظيم التظاهر والاحتجاج السلمي، بشرط عدم إعاقة عجلة العمل والمؤسسات وسريان المرور وخلافه، ويتم محاكمة المخالفين فورًا لردع الخارجين عن الشرعية, وسرعة تعيين النائب العام وفقًا للدستور حتى يقوم بالتحقيقات المطلوبة للثورة.

 

الدعوة لحوار بأجندة محددة ينتج عنه ميثاق وطني لمرحلة ما قبل البرلمان، وبتوقيع كل الأطراف؛ حتى لا يكون أمام جبهة الإنقاذ إلا: إما الالتزام بالميثاق، أو عدم الاستجابة للحوار، وننتهي مما يسمى الآن بالانشقاق الوطني.

 

الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لا تسمح بالانتظار ولا المهادنة, والمشروع الإسلامي الآن تحت الاختبار بعد أعظم ثورة في أهم دولة مركزية.