عند صهر خامات الحديد في أفران مصانع الحديد والصلب نجد أنه باشتداد درجات الحرارة بها تطفو الشوائب مكونة طبقة الخَبَث فوق صهَّارة الحديد. ولو أننا ركزنا على الطبقة الطافية سنظن أن كل الصهارة خَبَث. وفي مرحلة تالية يعزل الحديد النقي عن هذا الخبث. والمتأمل للأصوات المرتفعة بمصر بعد الثورة يجد الشبه واضحًا، فقد ارتفعت أصوات بذيئة في كل القنوات والصحف. وانخدع البعض بارتفاع تلك الأصوات، وأصابهم الوَهَن على حال الوطن. ملأ البعض الشاشات بالكذب والبذيء من الكلام. ومن ذلك ما يأتي:

 

·     الصحفي جمال فهمي في حوار في برنامج "الشعب يريد" بقناة "التحرير" 17/12/12 مع المذيعة دينا عبد الفتاح قال:" إن بعض المشرفين على لجان الاستفتاء في المرحلة الأولى منهم موظفون بالمحاكم وبقالون وحرامية غسيل لابسين بدل ومدرسين". أليس هذا كذبًا وزورًا وعدم لياقة في القول؟.

 

·     في برنامج "من جديد" بقناة "On T V" مساء 17/12/12 شبَّه جمال فهمي بعض السادة القضاة المشرفين على المرحلة الأولى للاستفتاء براقصة عجوز تهز وسطها أسماها "الست نزيهة". هل هذا تشبيه يكافئ من يؤدون واجبًا وطنيًّا في وقت عز فيه الرجال يا أستاذ جمال فهمي.

 

·     في برنامج "هنا العاصمة" بقناة "CBC" 17/12/12 تقول لميس الحديدي في نهاية البرنامج تحياتي لرجال النيابة العامة المحترمين تعليقًا على وقوفهم وإجبار النائب العام على الاستقالة، بطريقة فيها غمز ولمز على رئيس الجمهورية المنتخب الذي عين ذلك النائب وفقًا لصحيح القانون.

 

·     البذاءات تصدر يوميًّا من يوسف الحسيني في برنامج "صباح أون" بقناة "On T V"، وعلى سبيل المثال يوم الإثنين 17/12/12 تَنَدَّر على الرئيس محمد مرسي وناداه بلهجة ساخرة قائلاً: "يا رئيس يا دكتور يا باشمهندس". وأثناء البرنامج عرض لقطات فيديو بها صورة الرئيس، فأشار يوسف إلى صورة الرئيس باستظراف قائلاً "هو مِين ده؟". في الوقت نفسه تكلم باحترام عن صورة البابا فيقول "قداسة البابا"، ثم تكلم مع ميرفت التلاوي فيقول سيادة السفيرة. كما يتكلم عن حامد الجمل ونور بركات فيقول السادة: "الجمل ونور بركات مع الاحتفاظ بالألقاب وتاريخهم العظيم". والاعتراض هنا ليس على الحديث المحترم عن تلك الرموز، إنما الاعتراض على الكلام بوقاحة عن رئيس الجهورية.

 

·     الاستظراف غير اللائق من أبو العز الحريري في برنامج "صباح أون" 17/12/12 يقول يوسف مخاطبًا أبو العز الحريري "من لا يَرُدّ على التليفون يدخل النار". فيرد أبو العز الحريري باستظراف " من لا يَرُدّ على التليفون يدخل النار مع مرسي". هل وصلت البذاءة مع رمز الدولة لهذه السفاهات.

 

·     ينحدر الحوار في برنامج "هنا القاهرة" بقناة "القاهرة والناس" 17/12/12.. إبراهيم عيسى يهاجم خيرت الشاطر قائلاً: "ما ينفعش بَقَّال زَيَّك يمسك البلد وبَطِّل سَهْوَكَة".

 

·     في برنامج "صباح أون" الخميس 13/12/12 يوسف الحسيني قال"أنت يا مرسي زيك زي المسجون بطره".

 

·     برنامج "مانشيت" بقناة "أون تي في" الأربعاء 12/12/12 جابر القرموطي حكى موجزًا لقصة فيلم "زواج عتريس من فؤادة" في تشبيه بين عتريس بطل الفيلم والرئيس مرسي، ثم تمَنَّى القرموطي بشكل هابط عدم تكرار مصير عتريس الذي حرقه أقرب المقربين له.

 

وأخير إن الخَبَث سيزول وستتمايز المعادن النقية في وطننا بعد إقرار الدستور وانتخاب المجالس البرلمانية. ويقترح الكاتب بعض الأفكار لعلاج تلك الظاهرة العارضة على الشعب المصري:

 

1.    ضرب القدوة والمثل للحوار الهادف وعدم التجريح الشخصي. تلك الإساءات من النخبة والإعلاميين يجب أن يقابلها الإعراض عنها، عملاً بالآية الكريمة: (وإذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً) "الآية 69 سورة الفرقان". وقد ضرب الرئيس مرسي مثلاً يحتذى به، فقد تكلم في قناة "CBC" 6/12/12 باحترام عن نادي القضاة والمستشار أحمد الزند. ورفض الإساءة للزند رغم سابق الإساءات اللفظية من الزند للرئيس.

 

2.    تفنيد الأكاذيب التي يروجها بعض النخبة والإعلاميين. كما يجب كشف أقوال تلك النخبة والإعلاميين أمام الرأي العام حتى لا تصبح البذاءات نمطًا متعارفًا عليه في الشارع السياسي المصري.

 

3.    بعد إقرار الدستور، يجب أن يتصدى مجلس الشورى لتشريع بعض القرارات المهمة لتلك المرحلة حتى ينضبط إيقاع الخطاب السياسي والإعلامي. وأقترح تشديد العقوبة على التجريح الشخصي. مع إتاحة القانون للحرية الوصول للمعلومات، ومن ثم تشديد العقوبة على نشر بيانات خطأ.

 

4.    الاتجاه نحو ميثاق إعلامي يدعم الحوار المهذب المحترم الهادف. فلا تكون القنوات التليفزيونية مجرد كُشْك أو مخزن ينفث منه الألفاظ النابية.

 

5.    تأكيد أن استخدام الإعلام للحوار المهذب الراقي، لا يعني تكميم الأفواه، بل تتاح حرية تامة للتفنيد والتحليل الناقد لوجهتي النظر وليس لوجهة نظر واحدة فقط.

 

6.    يجب أن تسود البرامجَ التليفزيونية معايير مهنية مثل الحياد فلا تنعكس تفضيلات مقدم البرنامج على إدارته للحوار، فلا يتحامل على وجهة نظر معينة ويجامل وجهة النظر الأخرى. لا يجوز أن يصبح مقدم البرنامج أحد أطراف الخصومة في البرنامج. كما يجب أن تتاح أوقات متساوية لوجهتي النظر في الحوار التليفزيوني.

 

7.    يجب أن يختفي دعم مقدم البرنامج لأحد ضيوفه بالحجج والتفسيرات، ومشاكسة الضيف الآخر بالمقاطعة والتشويش طوال حديثه. ويجب أن يدير الحوار من منطلق تلخيص حجة كل طرف ويطلب من الطرف الآخر الرد عليها.

 

الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج