بعد كل معركة يحسب كل طرف مكاسبه ويحصي خسائره، ويلجأ إلى تعظيم المكاسب وقد يخفي الخسائر أو يقلل من قيمتها (هزيمة 67 المنكرة جعلها عبد الناصر وإعلامه مجرد نكسة).. وفي كل الأحوال تجري عمليات مراجعة للخطط والسياسات، والمواقف والقرارات، الصائب منها، وما جانبه الصواب، لاستخلاص العبر والدروس والتزام الصواب وتجنب الخطأ.

 

انتهت معركة الاستفتاء على الدستور، وإن لم تنته معركة الدستور نفسه، لأنها معركة هوية مصر، الممتدة لأكثر من مائتي عام منذ الحملة الفرنسية، ثم ما تبعها من سياسات اللورد كرومر أثناء الاحتلال الإنجليزي. انتهت معركة الاستفتاء وجاء أوان المراجعة وإحصاء المكاسب والخسائر، وبالإمكان أن نشير إلى عدد من المواقف والقرارات التي اتخذتها أطراف ثلاثة، تحتاج إلى مراجعة تترتب عليها تعديلات في الخطط والسياسات أو على الأقل توضيحات وبيانات، ورغم أن بعضها غير مرتبط مباشرة بالاستفتاء على الدستور فإنها تداخلت في ظرف زمني واحد، وفي ظل أزمة كبيرة حتى يصعب فصلها عن بعضها البعض:

 

مؤسسة الرئاسة: وهي تحتاج من وجهة نظري إلى مراجعة ما تم بشأن الإعلان الدستوري قبل الأخير؛ محتواه وطريقة إخراجه، وعدم كسب الدعم والمساندة له من الشعب أو حتى من الدائرة القريبة من الرئيس كنائب الرئيس والهيئة الاستشارية، وربما عدم توقع ردود الفعل عليه، خاصة من جانب أطراف السلطة القضائية، وكذلك غموض الحديث عن المؤامرة وعدم كشف أي دليل عنها، وعدم إقناع الشارع بوجودها، واختيار النائب العام الذي استقال ثم تراجع عن الاستقالة وأصبح عبئًا بدل أن يكون معينًا، وعدم السعي لكسب الرأي العام من الكتلة الرخوة المتقلبة والاكتفاء بكتلة المناصرين.

 

الإسلاميون: وهم في حاجة لمراجعة بعض مواقفهم التي كانت سببًا أو تكأة لتصعيد الخلاف مع العلمانيين مثل قرار النزول لميدان التحرير يوم 12 أكتوبر الماضي وقت فعاليات مليونية الحساب، وقرار التظاهر عند قصر الاتحادية يوم 4 ديسمبر، رغم وجود معارضين هناك، وربط الشرعية بالشريعة في مليونيات الأول من ديسمبر، وعدم السعي إلى كسب أي فصيل من الكتلة المناوئة ولم يأخذوا بمبدأ (خذل عنا يا نُعيم)، كما أن تواصلهم بالشارع لم يكن بالمستوى المطلوب لموازنة تأثير الإعلام الخاص المنحاز للطرف المناوئ.

 

العلمانيون: وأظنهم الأكثر حاجة لمراجعة كثير من مواقفهم، وربما كان أكثرها بشاعة التحالف مع فلول النظام البائد أو على الأقل قبول العمل معهم في ساحة واحدة، فضلاً عن مواقف أخرى منها الإصرار على استمرار المواجهة مع الشرطة عند شارع محمد محمود لأيام طويلة، ونقل الاشتباكات إلى محيط السفارة الأمريكية، ثم التحرك إلى قصر الاتحادية، ومحاولة اقتحامه، والتعدي بالسباب على الرئيس، وحصار مسجد القائد إبراهيم وانتهاك حرمة المساجد، ونقل الخلاف من حيز المعارضة السلمية إلى العنف المادي، والانسحاب من الجمعية التأسيسية، ورفض الحوار مع الرئاسة ومع التأسيسية، ورفض الالتجاء للشعب ليكون الفيصل في الخلاف مع الإسلاميين، وأخيرًا ارتباك مواقفهم بعد ظهور نتيجة الاستفتاء.

 

أما الإعلام الخاص الذي لا يعمل مستقلاً عن الطرف الأخير، فهو بحاجة ماسة إلى اختبار مستوى صدقيته ومدى رضا الناس عنه بعد أن تجاوز أكثر الخطوط المهنية المتعارف عليها.