الحقيقة والرهان.. يبدو لمتابع الأحداث التي جرت وتجري في مصر الثورة، أن هناك فريقين: فريق راهن على وجوده بين الناس وتفاعله مع المجتمع، معتمدًا في رهانه على رؤيته وإخلاصه لوطنه وتفانيه وتضحيته، متجهزًا لنهضته متطلعًا لآمال أمته، وفريق راهن على نخبته فأضلته، معتمدًا هذا الفريق على معونته وقوة آلته، وأبواق إذاعته متناسيًا، بل متجاهلاً ذكاء أمته.
لقد أثبت الشعب المصري أنه شعب ذكي لا يقدر أحد على استمالته أو خديعته فشاهدناه في مشهد مهيب ومنظرٍِ حضاريِ وهو يقف صفًا تلو الصف ليسطُر مجده ويُقِر دستوره ويقول:
نعم للدستور.. نعم للاستقرار.. نعم للنهضة، ولا للفوضى، ولا للتخريب. ثم أعجب وأظرف ما قرأت اليوم وأنا أطالع إحدى الصحف تصريح لأحد زعماء تلك النخبة وهو يقول في حواره مع وكالة الأناضول: إن معظم من قال "لا" للدستور لم يقرأه أساسًا، وإنما صوت ضد مشروع الدستور كرهًا في الإخوان المسلمين. وهذا اعتراف منه بالدستور الذي كان في بداية الأمر رافضًا فكرته أو فكرة الاستفتاء عليه.
والحقيقة.. أن من يرعى هذه الثورة ويخطط لها هو رب العباد وخالقهم، الذي أراد لهذا الشعب أن يتخلص من القيود ويحطمها ويبدأ نهضته.
كيف يخذل الله من يستنجد به ويستعين، كيف يخذل الله رجلاً يحمل كتابه المبين، كيف يخذل الله رجلاً تدعو له الملايين.. فإذا ما تابعت مشهد السيدة العجوز وهي تقول "يعليه ولا يوطيه"، بل ما تتحدث مع أحد إلا ويقول لك: ربنا ينصرك يا دكتور مرسي.
هذا هو الفرق بين النخبة التي تسعى لمصالح شخصية وأغراض دنيوية، ورجل، ما طلب الإمارة ولا سعى لوزارة وإنما خرج من قهر و ظلم إلى مُلك وفخرٍِ.
والمتابع للأحداث يجد أن مصر الثورة تسير كسفينة بين أمواج عاتية تضربها تلك الأمواج من كل جانب، فرأينا ما شهدته الفترة الماضية من محن ومؤامرات، امتدت إلى حل مجلس منتخب من أكثر من ثلاثين مليونًا مرورًا بحل التأسيسية ثم حصار قصر الاتحادية، وزعزعت استقرار البلاد وتهديد أمنها.
ولكن ما يبعث في النفس السعادة والبهجة أنها صامدة متماسكة قوية، تخرج من كل محنة، بل موجة، أقوى مما كانت.
فإنهاء حكم العسكر كان نجاحًا لتلك السفينة وربانها، والحفاظ على تأسيسية الدستور كان نجاحًا آخر يضاف إلى نجاحاتها، توج هذا النجاح بإقرار أول دستور يضعه المصريون بأيديهم.. فهنيئًا لهذا الشعب العظيم على فهمه وصبره وتضحياته.